ولدت منظمة “إلى الأمام” من رحم اليسار الجديد في المغرب، حاملة مشروعا ثوريا يستهدف تغيير النظام وإقامة بديل جمهوري. بين الجامعة والعمل السري، والمواجهة مع الدولة، والاعتقالات والانقسامات، ثم الخلاف حول قضية الصحراء، صنعت المنظمة فصلا مثيرا من تاريخ المغرب السياسي خلال سنوات الرصاص.
في خطاب شهير وشديد اللهجة ألقاه الملك الحسن الثاني سنة ،1984 أعرب عن سخطه تجاه الجهات التي كانت تحرك المظاهرات في الشارع، وخص بالذكر منظمة “إلى الأمام“ الماركسية–اللينينية، التي كانت تنعته بـ“السفاك“ في منشوراتها. وكان هذا الخطاب إعلانا صريحا وعلنيا بُث عبر الإذاعات، لم يقتصر على إبراز المواجهة بين الملك وخصومه الماركسيين فحسب، بل كان دليلا على استمرار الخصومة و“العداوة” بين الطرفين لأزيد من عقد من الزمن .لقد أثبت اليسار الجذري –وفي طليعته منظمة “إلى الأمام“- خلال منتصف الثمانينيات، وما عُرف بـ“سنوات الرصاص“، أن مواقفه تجاه النظام الملكي لم تتزحزح.
إن الإحاطة بنشأة منظمة “إلى الأمام“ والحركة الماركسية عموما، بكل تفاصيلها، تُعد مهمة شاقة وصعبة. ويعود ذلك إلى تداخل التفاصيل والمعطيات التي تتغير في فترات زمنية قصيرة، فضلا عن العنف الممارس وحملات الاعتقال التي حالت دون الحفاظ على كتابات المنتمين لهذا التيار وبياناتهم. لذا، سنحاول تتبع ما جاء في بعضها، مع التنبيه إلى أن أغلب المصادر التي تناولت تنظيمات الحركة الماركسية بالمغرب قد كُتبت بأقلام أشخاص ذوي انتماءات سياسية (إيديولوجية أو تنظيمية)؛ فمنهم من ذاق مرارة الاعتقال وفك ارتباطه بالتنظيم، ومنهم من ما يزال متشبثا بالنظريات الماركسية. ونتيجة لذلك، يصعب الخروج بخلاصات موضوعية حول سردية التأسيس أو حتى نهايتها. كما تجدر الإشارة إلى أن هذه المصادر تزخر بمصطلحات ذات شحنة إيديولوجية ضمن سياقها التداولي، مثل: الكمبرادور، والبلانكي، والأحزاب الإصلاحية، والتحريفيون، والصحراء الغربية،… إلخ. يكاد الباحثون يُجمعون على أن البدايات الأولى لتنظيمات وتحركات اليسار الذي أطلق عليه “اليسار الجديد“ انطلقت إثر أحداث عام ،1965 التي قمعت خلالها السلطات الأمنية مظاهرات التلاميذ في بعض المدن. وقد أفرز عنف الدولة هذا «عنفا فكريا مضادا» تبلور بشكل جدي بعد سنوات على شكل تحركات ميدانية، ناهيك عن أسباب داخلية وخارجية أخرى سنأتي على ذكرها وتفصيلها. وبما أننا نروم تخصيص هذه السطور للحديث عن منظمة “إلى الأمام“، فلا محيد لنا –ولأي باحث– إلا استحضار ظروف نشأة اليسار الجديد بالمغرب الذي انسلخ من يسار أحزاب الحركة الوطنية، وتبيان الترابط السياسي والإيديولوجي والفكري بين تياراته.
غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 156 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية













































