لم تكن الزوايا المغربية فضاءات للعبادة والتصوف وحدهما، بل كانت مراكز للنفوذ والماء والمال والمشيخة .ومن صراعات المريدين وتنافس الطرق إلى نزاعات السقي وخلافات الخلافة، تكشف هذه الوقائع وجها آخر من تاريخ الزوايا، حيث تداخل الروحي بالاجتماعي والسياسي.
لم يكن الخلاف على خلافة الشيخ جمال الدين القادري بودشيش جديدا في تاريخ الزوايا المغربية. فقد أدت الزوايا، على امتداد قرون، أدوارا في التربية الدينية والتعليم والإيواء والإطعام والتكافل، واضطلع شيوخها بالوساطة بين الناس، وأسهم بعضها في تأمين الطرق وإغاثة المحتاجين، وربطت مناطق بعيدة بمراكز العلم والسلطة. إلا أنها عرفت في الوقت نفسه خلافات بين شيوخها وأتباعها، ونزاعات بين بعض الطرق، كما لجأ المتخاصمون فيها إلى القضاة والقواد والسلاطين. واتخذت تلك الخلافات صورا مختلفة بحسب الزوايا والفترات التي وقعت فيها. فما الذي كان يُتنازع عليه داخل الزوايا وبينها؟ وكيف كان انتقال المريد من شيخ إلى آخر يفتح باب الخلاف بين الزوايا المتنافسة على مجال النفوذ؟ وكيف أصبحت حقوق الماء موضوع خصومة بين زاويتين؟ ومن كان أحق بالمشيخة حين يترك الشيخ أبناء ومقدمين وأصحابًا لكل منهم ما يستند إليه؟ وماذا يحدث حين يختلف أصحاب الطريقة الواحدة في ممارسة أخذوها عن شيخهم؟ وأي دور كان للمخزن حين يعجز المتنازعون عن الاتفاق؟
كبرت بعض الزوايا وتجاوز حضورها البلدة أو القبيلة التي قامت فيها .فكثر المريدون، وانتشر المقدمون، وقامت فروع في مدن وقبائل بعيدة، وحُبست عليها أراض وعقارات، وثبت لبعضها نصيب في مياه السقي، ووصلت إليها الهبات والمحاصيل. وأقام شيوخها علاقات مع الأعيان والقبائل ورجال المخزن. وانتشار الطريقة كان يتبع في جانب كبير منه حركة رجالها، فالمقدم يلقن الورد حيث يقيم، ومن حوله تتكون جماعة من المريدين، وقد يخرج من بينهم مقدمون آخرون. وهكذا أصبح للطريقة الواحدة أتباع في مناطق متباعدة، واجتمع في بعض المدن والقبائل مريدون ينتسبون إلى طرق مختلفة.
محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 156 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































