يُعدُّ الحمّام من أقدم المؤسسات المرتبطة بثقافة النظافة في المجال المتوسطي، تعود أصوله إلى الحضارات القديمة التي أرست تقاليد الاستحمام الجماعي، وشيّدت له فضاءات خاصة، قبل أن تنتقل هذه التقاليد إلى المغرب وتتأقلم مع خصوصياته الحضارية والعمرانية .وقد استفاد الحمّام المغربي، عبر مساره التاريخي الطويل، من الإرث الذي خلفته الحمامات الرومانية.
كان الحمّام عنصراً أساسياً في التنظيم العمراني للمدينة المغربية، حتى أضحى من المرافق العمومية التي لا يكتمل نسيج المدينة من دونها، إلى جانب المؤسسات الحضرية الكبرى لاسيما المسجد والسوق. فغدا أحد مكوناتها الجوهرية التي تعكس هويتها، وتُجسِّد بنيتها الاجتماعية والثقافية، فقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بفن العيش داخلها، وشكل علامة بارزة للثقافة الحضرية عبر مختلف الحقب التاريخية. تشير المعطيات الأثرية إلى وجود حمّامات عمومية في المغرب منذ الفترة الرومانية في كل من وليلي وشالة وليكسوس .ومع الإدارسة، شهد الحمام استمرارية واضحة، سواء من خلال الاستفادة من الموروث العمراني السابق أو من خلال استلهام تقاليد الاستحمام في المشرق الإسلامي. وتفيد الحفريات أن وليلي عرفت تشييد حمام زمن الأدارسة، كما عرفت عاصمتهم فاس بناء عدد من الحمامات منذ عهد الأمير يحيى بن إدريس، تزامناً مع التوسع العمراني الذي شهدته المدينة وتزايد عدد سكانها .كما ضمت مدينة البصرة الإدريسية حمامين، وهو ما يدل على المكانة التي احتلها الحمام ضمن المرافق الأساسية للحواضر المغربية الناشئة .ومنذ ذلك الحين، حرصت الإمارات والدول التي تعاقبت على حكم المغرب على تشييد الحمامات والعناية بها. فقد عُرفت الحمامات في أغمات خلال عهد المغراويين، وفي فاس خلال فترات حكم الزناتيين ومغراوة ثم المرابطين والموحدين والمرينيين وبعدهم، كما ازدهرت في مراكش منذ تأسيسها خلال العصر المرابطي، واستمرت في التزايد خلال العصور اللاحقة. وعرفت مدن أخرى الحمامات منذ العصور الوسطى إلى الحقبة العلوية مثل مكناس والرباط ووجدة …، استجابة لحاجات السكان وتطورها العمراني.
وجدير بالإشارة أن الحمام المغربي بلغ درجة كبيرة من الأهمية خلال العصر المريني، واكتسب سماته المغربية المميزة .ثم تعززت مكانته أكثر مع استقرار الموريسكيين الوافدين من الأندلس، حيث أسهموا في إثراء بعض جوانبه المعمارية والثقافية، مما ساعد على ترسيخ الحمام داخل البيئة المغربية.
محمد ياسر الهلالي
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































