يعتبر وزير الاقتصاد والسفير السابق محمد برادة شخصية استثنائية .فهو يمتلك عدة مواهب وخبرات، ويستطيع أن يتحول من خبير اقتصادي بسهولة إلى عالم اجتماع وفيلسوف، بل وحتى شاعر في أوقات فراغه. في هذا الحوار، تسترجع ”زمان “مع برادة مسيرته المهنية، ومسار والده، التاجر الذي تحول إلى مجال الصناعة، وفيه يتحدث أيضا عن آماله ومخاوفه بشأن المغرب .كما يحدثنا كيف واجه أخطر أزمة مالية في تاريخ المملكة الراهن، وعن فترة عمله سفيرا في فرنسا، وأيضا رؤيته حين كان الرئيس المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط ثم الخطوط الجوية الملكية المغربية.
بعد مسيرة مهنية غنية وحافلة بالأحداث، ما الذي يشغلك الآن؟
عندما يصل المرء إلى سن معينة، يختلف العالم من حوله، والأولويات، والالتزامات .يصبح المرء أكثر رومانسية، وأحيانا شاعرا، وفي كل الأحوال، تأخذ القيم الإنسانية الأولوية على غيرها .خلال حياتي، خضت العديد من المعارك الميدانية التي كانت غالبا ذات أبعاد مالية، وسياسية، وتجارية .اليوم، إذا كان عليّ أن أختار نشاطا واحدا، سأقول إن شغفي بالتعليم ما يزال متقدا. عندما عدت من بوردو عام 1969 حيث درست، التحقت مباشرة بالجامعة لأدرّس فيها .ومنذ ذلك الحين، أعتبر أن التعليم، وبشكل أوسع التربية، هو رسالة حياة. ما زلت أستمتع كثيرا بنقل المعرفة إلى طلابي .أحب أن أشبه دروسي بمسرحية؛ أنا على الخشبة وأؤدي دوري أمام جمهور عزيز عليّ. وكما تعلمون، يظل الممثل ممثلا حتى النهاية. لهذا السبب، لست مستعدا للتقاعد .لكي تكون معلما جيدا، لا توجد معجزة، بل يجب ببساطة وصدق أن تحب مهنتك. طالما أن لدي القوة، سأستمر في التدريس والالتزام بقضية التعليم، الذي أرى أنه أكبر تحدٍ للمغرب .ما أتمناه الآن هو أن نفتح آفاقا مختلفة لشبابنا .أنا أعارض بشدة التخصص المبكر، بمعنى أنني أعتقد أنه من الضروري أيضا فهم العالم المحيط بنا .علاوة على ذلك، فإن الأصل اللاتيني لكلمة “فهم، يعني الأخذ معا“. إذن، الأمر يتعلق بالمجموع .لا نثري أنفسنا إلا في التنوع. هذه هي الفكرة التي أدافع عنها اليوم، والتي تنطبق على الحياة اليومية وليس فقط في مجال التعليم. في هذا الصدد، أتبنى تماما نظرية التعقيد التي يدافع عنها صديقي إدغار موران، والتي تقول إن العلاقات بين الأجزاء أكثر أهمية من الأجزاء نفسها.
ولكن تظل هذه نظرية عن المجتمع بينما الواقع في الميدان يتطلب الاستعجال؟
بصفتي أكاديميا، أؤمن إيمانا عميقا بتطبيق النظرية. ولكني أيضا رجل ميدان. وبما أنني كنت وزيرا، وسفيرا، ورئيسا لمجموعات كبيرة، فإن هذا الواقع لا يغيب عني أيضا .وللمعالجة بعمق كما تقول، لا يمكننا الاستغناء عن رؤية شاملة. في المغرب، كان لدينا في الماضي خطة تنمية لا تعتمد فقط على “النمو المقدس“، وهو مفهوم كمّي حصري .اليوم، تظهر مشاكل خطيرة، مرتبطة بالأساس ببطالة الشباب، وهي سبب تفاقم اللامساواة. ومرة أخرى، مهما حاولت حل بعض الحالات بشكل استعجالي، فلن تتمكن من معالجة أصل المشكلة. كوني شغوفا بالطب وعلم التشريح، أجد من المناسب أن أقارن المجتمع بجسم الإنسان .يمكنك تضميد بثور تظهر، لكنك لن تمنعها من الظهور مجددا إذا لم تعالج السبب. وبالعودة إلى اللامساواة، أود أن أوضح أنها تتشكل منذ الولادة .أنا أشهد على ذلك كل يوم عندما أرى الأطفال الصغار المتخلى عنهم يصلون إلى المركز الاجتماعي في سيدي مومن الذي أنا مسؤول عنه.
حاوره محمد يزيدي
تتمة الحوار تجدونها في العدد 144 من مجلتكم «زمان»










































