رغم أن الأمازيغ شكّلوا أحد أكبر مكونات المجتمع الأندلسي وأسهموا في السياسة والعمران والعلم والحرب، ظل حضورهم في المصادر التاريخية باهتا أو مشوَّها” .زمان “تتتبع، هنا، أدوارهم الفعلية، لتكشف كيف صنعت الوقائع تاريخا أكثر ثراء من السرديات التقليدية.
تميز المجتمع الأندلسي بتنوع عناصره وتعددها، إذ اختلط فيه العنصر المحلي القديم الاستقرار بالطارئ المتدفق من شبه الجزيرة العربية وإفريقيا وأوروبا، وتساكنت هذه الجماعات على أرض الأندلس بالرغم من احتفاظ معظمها بخصوصياتها لفترات طويلة. وشكل البربر/الأمازيغ القادمون من شمال إفريقيا عنصرا بارزا ضمن هذه الساكنة، بعددهم وحضورهم المتواصل في مختلف مناحي الحياة. وبالرغم من أهمية حضور هذا العنصر الكمي والنوعي، فإن مقاربته تطرح مشاكل كثيرة ارتبط معظمها بقلة الأخبار عنه، أو لبسها بإسهام من ممثلي أعضائه الذين لم يدخروا وسعا في إخفاء هويتهم الأمازيغية، فرارا من وصمة “بربري“، أو تخلصا من نظرة أعدائه ومحتقريه من الأجناس الأخرى التي يتقدمها الحزب الأندلسي. توافدت مختلف الجماعات البشرية على الأندلس في فترات متقطعة وبأعداد متباينة، وتوقفت هجراتها الكبرى في منتصف القرن 2هـ/8م، لكن هجرة البربر/ الأمازيغ انفردت باستمراريتها على امتداد الوجود الإسلامي في الأندلس. فقد بدأت بحملة طريف عام 91هـ/710م، وتواصلت حتى أواخر عصر بني نصر. لكن أهميتها كانت تزداد أكثر في أوقات التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها الأندلس، وأهمها حركة الفتح وضم الأندلس إلى دار الإسلام، وإنشاء الدولة الأموية، وقيام الخلافة الأموية وحمايتها من المد المسيحي، وتدخل المرابطين والموحدين والمرينيين والمجاهدين (الغزاة) لحماية البلاد من حركة الاسترداد والحفاظ على الوجود الإسلامي فيها. اختلفت دوافع الهجرة الجماعية إلى الأندلس حيث بدأت دينية–جهادية مع الفتح، وتحولت إلى سياسية – عسكرية (ارتزاق–صراع فاطمي/أموي) مع الأمويين وملوك الطوائف، وعادت جهادية –سياسية (حماية الثغور–عزل الحكام الفاسدين) مع المرابطين والموحدين والمرينيين والغزاة. أما الهجرة الفردية، فقد جمعت بين الدوافع الاقتصادية والجهادية والعلمية. ضم المهاجرون عناصر من قبائل مختلفة في شمال إفريقيا، لكن تتبعها الدقيق أكد أن معظم المهاجرين ينحدرون من المناطق الشمالية من المغرب الأقصى (زناتة، ومصمودة، وكتامة، ومكلاتة…)، وشمال غربي المغرب الأوسط (زناتة بمختلف قبائلها)، وشمال إفريقية (صنهاجة وغيرها). ويظهر أن العنصر الزناتي يحتل الصدارة ويتبعه الصنهاجي، بينما شكل العنصر المصمودي أقلية.
محمد حقي
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية













































