استمر حضور ”الروم “داخل الجيش المغربي في العصر الوسيط بوصفه خيارا عسكريا وسياسيا واعيا، ارتبط بحاجات الضبط والتوسع، وأسهم في إعادة بناء توازنات السلطة، معتمدا على قوى محترفة منفصلة عن العصبيات القبلية رغم ما أثاره من حرج شرعي.
يُعَدّ الجند النصارى، أو “الروم“ كما ترد تسميتهم في بعض المصادر، من أبرز مكوّنات الجيش المغربي خلال العصر الوسيط، إذ استمر حضورهم، بدرجات متفاوتة، من العصر المرابطي إلى العصر المريني مرورا بالموحدي. والظاهر أن هذا الحضور لا يكتسي أهميته فقط من وجود عناصر أجنبية ومسيحية ضمن الجيش، بل بما اضطلعت به هذه الفئة من وظائف عسكرية وسياسية خاصة، ومنها ما اتصل بحروب الداخل، وحماية السلطان، وضبط المجال، ومواجهة حركات التمرد والعصيان. كما أن انتظام هذه الظاهرة واستمرارها عبر تجارب متعاقبة يفيدان أنها لم تكن مجرد تدبير ظرفي عابر، بل مثلت اختيارا سياسيا وعسكريا فرضته اعتبارات الدولة ومقتضياتها العملية، رغم ما كان يثيره ذلك، من حيث المبدأ، من حرج يرتبط بالاستعانة بعناصر نصرانية في خدمة حكم إسلامي .ومن ثم، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز الوصف العام لوجودهم داخل الجيش، إلى مساءلة شروط نشأتهم، وسياقات توظيفهم، وطبيعة أدوارهم، بما يسمح بإعادة النظر في بعض التصورات التي ربطت ظهورهم المنظم بمرحلة متأخرة، وتأكيد فكرة امتداد الظاهرة في التاريخ العسكري المغربي خلال العصر الوسيط بما يكشف عن جذور أقدم تاريخا ومسارات أكثر تعقيدا. الظاهر أن حضور كتائب الروم في الجيش المغربي إبان العصر الوسيط لم يكن مجرد تفصيل عسكري عابر، بل ارتبط، منذ وقت مبكر، بتحولات عميقة شهدها بناء الدولة المركزية واتساع وظائفها. فالتفسير الذي أبرزه ابن خلدون يقوم على مبرر عسكري مباشر، مفاده حاجة السلطان إلى جنود يحسنون الثبات في الزحف والقتال في الصفوف، بخلاف ما يغلب على قتال أهل البلاد من الكر والفر، بما يجعل هؤلاء أصلح لحماية السلطان في لحظات المصاف، وأقدر على إسناد الجيش في المواجهات الحاسمة. ومن هذه الزاوية، بدا استقدامهم استجابة لضرورة حربية وتقنية فرضتها شروط القتال ومقتضيات التنظيم العسكري، لا سيما في سياق دول كانت تسعى إلى بسط سلطانها على مجالات واسعة، وتحتاج إلى أدوات قتال أكثر دقة وفعالية. غير أن الوقوف عند هذا المبرر، يظل غير كاف لتفسير الظاهرة في عمقها، لأن الكائن في الممارسة السياسية تجاوز كثيرا مجرد الحاجة إلى أسلوب قتالي مخصوص. فقد وجدت الدولة، وهي تبسط سلطانها على مجال مترامي الأطراف، نفسها في حاجة إلى قوة محترفة تسهم في ضبط القبائل، وتحصيل الجبايات، وتأمين الطرق، ومواجهة حركات التمرد والعصيان، من غير أن تكون مندمجة في شبكة الولاءات المحلية أو خاضعة لموازين العصبية المؤسسة.
حميد تيتاو
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































