يصعب فهم تاريخ المغرب دون الأندلس، كما يصعب فهم الأندلس بمعزل عن المغرب. فقد ظلّت العدوتان تتبادلان الرجال والأفكار والعلم والعمران، حتى غدت العلاقة بينهما نموذجًا لوحدة حضارية تجاوزت حدود الجغرافيا.
سرى تعبير “العدوتين“ على كل من الأندلس والمغرب، كما لو أنهما ضفتا نهر كبير، هو ما يُعرف اليوم بمضيق جبل طارق، والذي اصطلح المؤرخون المغاربة على تسميته بالزقاق. وقد شكّلت الأندلس والمغرب وحدة ثقافية منذ بداية العصر الإسلامي، غير أن الحقيقة هي أن الترابط بين الضفتين سبق الإسلام بقرون. فقد كان استراتيجيو روما ينظرون إلى ما كان يسمى بتيكا ،(Bætica) أي شبه الجزيرة الإيبيرية، وإلى موريتانيا الطنجية، أي الجزء الشمالي من المغرب، باعتبارهما وحدة استراتيجية متماسكة. وحتى استراتيجيو إسبانيا الحديثة كانوا يرون أن عظمة شبه الجزيرة الإيبيرية اقترنت بالفترات التي خضعت فيها العدوتان لوحدة سياسية، كما حدث في عهد الرومان، ثم في عهد الأمويين بالأندلس، فالمرابطين، فالموحدين، وحتى المرينيين خلال مرحلة من تاريخهم. أما فترات الانكسار، فكانت حين تدير كل عدوة ظهرها للأخرى. اكتست هذه العلاقة طابعا خاصا مع المد الإسلامي، فأضحت الأندلس المسلمة، من بعض الأوجه، أشبه بما تمثله الولايات المتحدة بالنسبة إلى أوروبا. فقد هاجرت إلى العالم الجديد جموع من الأوروبيين، واتخذت الإنجليزية لغة جامعة، وتبنّت الرؤى الفكرية التي نضجت في أوروبا، وإن كان العنصر الغالب من المهاجرين في بداياتها ألمانيا. والشيء نفسه وقع في الأندلس الإسلامية؛ إذ عرفت هجرات من الشام وبلاد المغرب، وتبنّت الرؤى السياسية والفكرية التي ظهرت في المشرق، واتخذت العربية لسانا جامعا للحضارة. غير أن العنصر الوافد الغالب كان من الأمازيغ، ولا سيما أمازيغ زناتة. والفرق الجوهري بين التجربتين أن السكان الأصليين في العالم الجديد تعرضوا للتهميش، بل للإبادة في كثير من الأحيان، بينما انصهر سكان الأندلس الأصليون في الحضارة الإسلامية، واعتنق أغلبهم الإسلام، واتخذوا العربية لغة للثقافة والتعبير.
حسن أوريد
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































