ما الذي نعرفه عن شعب الطوارق؟ وما هي علاقتهم مع المغرب؟ في هذا الحوار المفصّل مع الشاعر والرسّام الصحراوي والباحث خواد, نتعرف على الجذور التاريخية لشعب الطوارق وعلاقتهم بالمملكة المغربية .كما يقربنا خواد الحائز على جائزة الأركانة العالمية للشعر سنة 2017 (الرباط، المغرب)، أكثر من نمط عيش الطوارق وتفكيرهم وتدينهم وفلسفتهم في الحياة والحرية، بالإضافة إلى تحليل الأوضاع الجارية في الصحراء ودول الساحل.
ما هي المقاربة التاريخية أو الأنثروبولوجية التي تميل إليها فيما يتعلق بأصول وتشكل الطوارق؟
أشير في البدء أننا لا نستخدم كلمة “طوارق” لأنها تسمية خارجية، بل نستخدم “أماهغ“،(Amahagh) “أماجاغ” (Amajagh)، أو “أماشاغ” (Amashagh) حسب اللهجات، وهي تقابل اسم “أمازيغ“ في الشمال. لكن بالنسبة لنا، هي الشيء نفسه !
أما السؤال عن وجود مجتمعات –بصيغة الجمع– طوارقية؛ فبالنسبة لنا، لا توجد! فهناك شعب طوارقي واحد، منظم سياسيا واجتماعيا بطريقة خاصة، حول أقطاب سياسية كبرى تشكل حرفيا “جسد“ مجتمعنا .وكل عضو في هذه المجموعة، من أكبرها إلى أصغرها، يلعب دورا له أهميته في حيوية هذا الجسد الاجتماعي الواسع. نظامنا السياسي هو من النوع الكونفدرالي، يتكون من عناصر مختلفة ومتكاملة، وقد حورب بشتى الطرق منذ الاستعمار. الصحراء الوسطى، بلادنا، هي مهد الأمازيغ الذين يعود وجودهم إلى عصور ما قبل التاريخ .فالآثار القديمة لحضارتنا لا تعد ولا تحصى، وتتجلى في فن صخري أصيل، وفي العديد من النصب الجنائزية، وفي كتابة “التيفيناغ” الضاربة في القدم والتي نحن الوحيدين الذين حافظنا عليها حية حتى اليوم. “تيفيناغ” –التي يشتق اسمها من “أفناغ” (Afnagh)، أي ما هو متفرد أو مخفي– تحمل فكرنا ورؤيتنا للكون. هذا النظام من الرموز هو في الواقع أكثر بكثير من مجرد أبجدية بسيطة، بل هو أساسي جدا لدينا وجزء لا يتجزأ من تعليمنا.
كيف تقيم دور وديناميكية المقاومة الطوارقية في مواجهة التغلغل الاستعماري في الفضاء الساحلي الصحراوي وفي شمال إفريقيا؟
بدأ التغلغل الاستعماري الفرنسي في بلاد الطوارق في نهاية القرن التاسع عشر. وقد واجه محاربو الأقطاب السياسية الطوارقية المختلفة هذا التغلغل بمقاومة شرسة. لقد حاربوا بسيوفهم ورماحهم الترسانة العسكرية للقوات الاستعمارية المجهزة بالأسلحة النارية. وفي هذه المواجهات غير المتكافئة، تعرض الطوارق للتدمير وأجبروا على قبول معاهدات “السلام“ التي فرضها المنتصرون. واضطر الكثير من الطوارق، بعد الكارثة الدموية للمعارك التي قُتل فيها آباؤهم، إلى اختيار المنفى نحو الشرق (ليبيا وتشاد حاليا) للانضمام إلى حركات مختلفة مناهضة للاستعمار. كانوا يبحثون عن حلول لبدء مقاومة جديدة بأسلحة واستراتيجيات قادرة على محاربة العدو.
استمر هذا المنفى وتلك الاستعدادات أكثر من خمسة عشر عاما إلى أن تجسدت في عام 1916 بما نسميه “ثورة كاوصن“ التي نظمت الانتفاضة العامة للطوارق. كانت في آن واحد ثورة سياسية واجتماعية (المساواة في الأدوار؛ مسؤولية كل فرد عن أفعاله؛ مساهمة الجميع –وليس المحاربين فقط– في المقاومة…) وثورة عسكرية في حرب غير متكافئة مع اختراع حرب العصابات. إن حرب “كاوصن“ التي هزت القوة الاستعمارية لأكثر من عامين تم سحقها في عام 1919، لكنها ظلت راسخة حتى اليوم في الذاكرة وفي أخلاقيات الشرف لدى العائلات المقاومة. إن الحفاظ على فكرة “أن تكون طوارقيا“ يتطلب في هذا المنظور رفض الخضوع للاستعمار. لأن كونك مستعمرا ليس لغزا بالنسبة لنا، فنحن نعرف ما يعنيه ذلك: كالتخلي عن مصيرك لقوى لا تحترمنا، التخلي تحت الإكراه عن ثقافتك، قيمك، حريتك في التفكير، تاريخك، لغتك، طقوسك، حقوقك، أرضك، تنقلك، نمط حياتك، ومستقبلك …إن طريقتنا في المقاومة لا تقتصر على الانتصارات العسكرية، بل تتعداها إلى رفض الهيمنة والعنف اللذين يحاولان محو ما نحن عليه ويسعيان إلى الاستيلاء على أراضينا، ويبيعانها للشركات متعددة الجنسيات، ويشوهانها، ويلوثانها، ويدمران كل مواردنا الحيوية: من النباتات، والحيوانات، والمياه، والهواء. بإيجاز، انها سلطات ديكتاتورية تمنعنا من العيش والبقاء، وتقتل عائلاتنا وأطفالنا وشيوخنا، بسبب كونهم طوارق.
حاوره غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 152 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































