لماذا ما تزال فكرة الأندلس حاضرة في الذاكرة الجماعية لدى المغاربة؟ للإجابة على هذا السؤال العريض يجب أن نعود إلى العلاقة التي ربطت الضفتين، وبالتحديد الصلات المبكرة؛ قبل عبور طارق بن زياد، ونقف على حكم الأمازيغ والمرابطين ثم الموحدين للأندلس قرونا طويلة. في هذا الحوار، يوضح المؤرخ المتخصص في تاريخ الأندلس وإسبانيا، عبد الواحد أگمير، هذه القضايا وغيرها.
في البداية، هل يمكن أن توضح كيف كانت أوضاع شبه الجزيرة الإيبيرية وعلاقاتها الديموغرافية والاجتماعية، من هجرات وتبادل وتعايش، مع شمال إفريقيا قبل وصول طارق بن زياد؟
ينبغي أولاً تصحيح تصور شائع يجعل سنة 711م بداية الاتصال بين شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية. فعبور طارق بن زياد لم يقع بين عالمين يجهل أحدهما الآخر، بل بين ضفتين تفصل بينهما مسافة بحرية قصيرة، وتربطهما منذ العصور القديمة طرق بحرية وتجارية وبشرية متعددة. لذا فالرحلة التي تسمى “الاستكشافية” والتي قام بها طريف بن مالك، سنة 710م، حيث أقام بالثغر الذي حمل اسمه منذ ذلك التاريخ، وهو “طريفة“، لم تكن في الواقع لاستكشاف أراضي غير معروفة، وإنما كانت بالأحرى، رحلة ذات طبيعة استراتيجية عسكرية، الغاية منها ضبط أماكن نزول الجيوش، ووضع المخيمات، ووضع الخطة العسكرية، عندما يتم العبور من أجل الفتح. لذا فمنذ العصر الفينيقي ثم القرطاجي والروماني، كان المجال الممتد من طنجة وسبتة إلى قادس ومالقة وقرطبة جزءاً من فضاء متوسطي واحد. تنقلت فيه السفن والبضائع والجنود والأفكار، وتبادلت مراسيه المعادن والحبوب والزيت والملح والأسماك والمنتجات الحرفية. ولم يكن مضيق جبل طارق حاجزاً، بل كان ممراً، بحيث إن تقارب الضفتين جعل سكانهما على اتصال دائم، خاصة في المناطق الساحلية. وفي القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلاديين، كانت شبه الجزيرة الإيبيرية تحت حكم الفيزيقوط، الذين جعلوا طليطلة عاصمة لمملكتهم. وقد ورثت هذه المملكة جزءا من البنية الرومانية القديمة، لكنها عانت في أواخر عهدها من هشاشة سياسية واضحة. فقد كان الملك يتم اختياره في الغالب من الأرستقراطية، لذا لم يكن انتقال الحكم مستقراً دائماً، وهو ما فتح الباب أمام الصراعات بين كبار النبلاء والقيادات العسكرية والكنيسية. وعندما توفي الملك “غيطشة“، اشتد النزاع حول خلافته، فاستولى على العرش أحد هؤلاء النبلاء وهو “لودريق“ في ظروف لم تحظ بالإجماع، حيث دخل في صراع مع أبناء الملك السابق “غطيشة“.
كيف دبّر المرابطون شؤون الأندلس سياسياً وإدارياً بعد أن نجحوا في القضاء على ملوك الطوائف؟
بعد انتصار يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة سنة 1086م، لم ينتقل المرابطون مباشرة إلى ضم الأندلس. فقد كان تدخلهم الأول استجابة لنداء ملوك الطوائف وفقهائها، بعد أن أصبحت ممالك قشتالة وليون وأراغون والبرتغال تضغط على المدن الإسلامية، وتفرض على عدد من أمرائها دفع الجزية. لكن التجربة أثبتت سريعاً أن حكم الطوائف لم يعد قادراً على حماية الأندلس. فملوكه كانوا منقسمين، يتنافسون فيما بينهم، ويعقد بعضهم تحالفات مع القوى المسيحية ضد خصومه المسلمين. وبعد سقوط طليطلة سنة 1085م، ثم استمرار الخطر بعد الزلاقة، أدرك المرابطون والفقهاء الأندلسيون أن الإنقاذ العسكري وحده لا يكفي، وأن الأمر يحتاج إلى وحدة سياسية. لذلك، انتقل يوسف بن تاشفين، بعد حملاته الأولى، من منطق المساعدة إلى منطق الضم. فأنهى حكم الطوائف بين 1090م و1091م، وأصبحت الأندلس جزءاً من الدولة المرابطية التي كانت عاصمتها مراكش. وهذا لا يعني أن الأندلس تحولت إلى هامش تابع بلا خصوصية، بل ظلت منطقة مركزية في الدولة، لها مدنها الكبرى ونخبها العلمية وقضاتها وتجارتها وثغورها.
اعتمد المرابطون إداريا على الولاة والقضاة والفقهاء، مع جعل المذهب إطاراً جامعاً للدولة في المغرب والأندلس. وقد اضطلع الفقهاء الأندلسيون أنفسهم بدور مهم في إضفاء الشرعية على هذا التحول، لأنهم رأوا في وحدة الحكم وسيلة لحماية البلاد من التفكك ومن التوسع المسيحي. كما احتفظت المدن الأندلسية بكثير من تقاليدها الإدارية والحضرية، ولم يكن ممكناً حكم قرطبة وإشبيلية وبلنسية وغرناطة بالطريقة نفسها التي تُحكم بها مدن الصحراء أو المغرب الأقصى. والأهم أن الدولة المرابطية لم تكن إدارة عسكرية فقط، بل دولة مؤسسات بالمعنى الوسيطي للكلمة: جيش منظم، وجهاز قضائي، وبيعة، وإدارة مالية، وعملة ذهبية قوية. وقد ارتبطت الأندلس بشبكات التجارة المغربية الصحراوية والمتوسطية، فأصبحت جزءاً من اقتصاد واسع يصل بين الذهب القادم من السودان الغربي، والمراسي الأندلسية، والأسواق الأوروبية.
حاوره غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































