تطبع جوانب من التاريخ السياسي للمغرب مظاهر الاستقرار والاستمرارية؛ على الرغم من تعاقب السلالات الحاكمة منذ العصر الوسيط، حافظت الدولة في المغرب على بعض آليات تدبير الحكم بشكل شبه متطابق، رغم الانتقال إلى دولة حديثة. فإلى أي حد تشبه سياسة الأمس سياسة اليوم؟
على الرغم من تعاقب القرون، يزخر تاريخ المغرب باستمرارية واضحة تربط ماضيه بحاضره عبر مستويات متعددة: اجتماعية، وسياسية، ودينية. فكثير من العادات والمظاهر التي ميزت العصر الوسيط ما تزال متجذرة إلى اليوم .ولن نقف عند العديد من الأمثلة في مختلف الميادين، بل سينصب تركيزنا في هذا السياق على الشق السياسي، وتحديدا ما يرتبط بآليات الحكم وتدبير شؤون الدولة. إن المتتبع لتاريخ المغرب يقف على سلالات متعددة تقلدت زمام الحكم، غير أن قراءة متأنية لذلك التاريخ تكشف عن شبه تطابق فيما يخص آليات تدبير شؤون الدولة والمجتمع بينها كما سنرى. لكن قبل الخوض في طبيعة العلاقة التي ربطت الرعية برأس السلطة، يجدر بنا التوقف عند مدى التشابه القائم بين محددات انتقال السلطة وصعود تلك السلالات، بين قديمه وحديثه. خلال العصر الوسيط، اعتمد نظام الحكم في المغرب على ما أسماه ابن خلدون بـ“العصبية القبلية“، حيث شكلت قوة العصبية المحرك الأساس لبناء الدولة وتوارث السلطة .ولقد تبلورت معالم أول دولة مركزية مغربية مع المرابطين، بدعم من عصبية قبائل صنهاجة .وسار الموحدون على النهج ذاته مستندين إلى عصبية قبائل مصمودة، ليعقبهم المرينيون مستقوين بعصبية زناتة. بل إن الأدارسة، الذين يمثلون النواة الأولى للشرعية السياسية في المغرب الراهن، اعتمدوا بشكل حاسم على شوكة قبيلة “أوربة“، رغم استمدادهم لشرعيتهم الروحية من انتمائهم للبيت النبوي. وعلى الرغم من تأكيد العديد من المصادر التاريخية على أن مرحلة ما بعد المرينيين والوطاسيين أسست لشرعية حكم جديدة قوامها “النسب الشريف” –وصولا إلى الدولة العلوية– فإن احتكار السلطة ظل محصورا داخل دائرة العائلة والقرابة. ولم يواجه هذا الانتقال الوراثي –في الغالب– معارضة شديدة من خارج دائرة التنافس على الحكم، بفضل عوامل بنيوية حافظت على استمراريتها في مقدمتها البيعة. من جهة أخرى، تذهب مقاربات بحثية حديثة –كما توضح أطروحة الباحث عادل الطاهري– إلى أن “شرعية التغلب“ كانت هي المحدد الحاسم في تاريخ انتقال السلطة بالمغرب وإحكام قبضتها. فقد تربع كل نظام على العرش بقوة الشوكة والعنف، مستخدما العصبية القبلية أو النسب الشريف كأدوات مساعدة. وهو ما ينسجم مع الطرح الخلدوني، الذي يرى أن قيام الدول رهين بانتزاع عصبية فتية وقوية للسلطة من عصبية أخرى هرمة، عبر آلية الغلبة.
غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية














































