عند الحديث عن موضوع الصحراء في الحقل الأكاديمي، يتصدر الأنثروبولوجي رحال بوبريك قائمة الباحثين الذين اهتموا مبكرا بقضايا المجتمع الصحراوي. ورغم سنواته الطويلة في هذا المجال، ما يزال بوبريك يسهم في سد الثغرات التي تنخر شؤون الفضاء الواسع بجنوب المغرب، إما بتنقيبه في الأرشيفات الأجنبية، أو من خلال المشاركة في ندوات دولية ووطنية، أو بإصداراته المتنوعة. وبمناسبة القرار الأممي عن الحكم الذاتي الصادر في 13 أكتوبر ،2025 نتعرف في هذا الحوار على مسار هذا الأكاديمي المرتحل بين حقول الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ، منذ طفولته التي قضى جزءا منها في الخيام فخبِر حياة الرّحل وأهل الصحراء، مرورا بدراسته بفرنسا واحتكاكه بأعلام الأنثروبولوجيا، وصولا إلى تقلده مهام المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب. وفي خضم ذلك، يوضح لنا بوبريك بنية المجتمع الصحراوي بين الماضي والحاضر والمفاهيم المرتبطة بدراسته، فضلا عن مستقبل الحكم الذاتي.
قبل أن نخوض معك في مسارك الشخصي وظروف نشأتك، هناك سؤال يطرح نفسه بحكم التطورات الأخيرة. نريد وجهة نظرك حول القرار الأممي الأخير المرتبط بالحكم الذاتي: كيف نظرت للأمر كباحث في التاريخ اشتغل على الموضوع طويلا، وما هو تحليلك ورؤيتك؟
تقتضي نظرة المؤرخ التقصي وراء هذا الموضوع وتتبع مساراته، بدءا من القرارات الأممية الأولى وصولا إلى القرار الأخير .2797 وإذا تتبعنا تدبير هذا الملف، نجد أن المغرب عانى كثيرا من القرار 1514 لعام ،1960 وأن الأمم المتحدة من خلال قراراتها هي طرف في خلق المشكلات: مشكلة تقرير المصير، ومشكلة الحدود، ومشكلة تصفية الاستعمار.. ولو افترضنا أن المقاومة المغربية بقيادة جيش التحرير ربحت المعركة في سنتي ،1958-1957 وتحررت الصحراء وقتئذ لما طُرحت المشكلة اليوم لأن القرار 1514 الذي بموجبه طرح حق شعوب المستعمرات في تقرير مصيرها، لم يظهر للوجود إلا سنة .1960 سنتين قبل ذلك، كان جيش التحرير في الجنوب المغربي قد حرر كل مناطق الصحراء ما عدا طرفاية والعيون والداخلة التي تمركزت فيها جيوش الإسبان، قبل أن تتحالف مع فرنسا وتشن أكبر عملية عسكرية في غرب إفريقيا في فبراير 1958 والتي سميت بعملية “إيكوفيون” [أي المكنسة]. إضافة إلى أن القرار 1514 القاضي بتقرير المصير للمستعمرات كرس الحدود الاستعمارية. فنحن نعلم أن مسألة الحدود في الصحراء هي صنيعة الاستعمار مع أواخر القرن 19 وبداية القرن ،20 وقد تكرست عام 1934 حينما تم الغزو العسكري للصحراء، وتحكم الجيشان الإسباني والفرنسي في الحدود ومنطقة الصحراء بفصلها عن باقي مناطق المغرب الذي كان تحت الحمايتين الفرنسية والإسبانية. بعد ذلك خلال مرحلة الاستقلال، وبدلا من استرجاع المنطقة كباقي مناطق المغرب، تفاقم تعنت الديكتاتور الجنرال فرانكو بإصراره على بقاء الصحراء مستعمرة إسبانية بتدخله العسكري العنيف، فجاء قرار الأمم المتحدة ليكرس الحدود الاستعمارية، فارضًا على المغرب واقعا قانونيا وسياسيا في العلاقات الدولية، وهو احترام مواثيق الأمم المتحدة، مع العلم أن قرار ،1514 لا يعني بالضرورة أن تقرير المصير هو قيام دولة، ولا خلق انفصال داخل دولة، ولا يروم زعزعة حدود دولة قائمة.
هل لديك تخوف تجاه تأويل القرارات الأممية؟
أؤكد أنه وجب وضع مسافة حذر تجاه تأويلات القرارات الأممية، لا سيما وأن الأمم المتحدة تتحكم فيها موازين القوى والمصالح، وليس بالضرورة المبادئ واحترام القرارات، ناهيك على لغة تلك القرارات المطاطة والقابلة لكل التأويلات، والتي تتجنب الحسم مراعاة للمصالح المتضاربة للمتحكمين في صياغة تلك القرارات. ولنا في قراراتها فيما يتعلق بالصحراء نماذج عديدة تدل على أن الأمم المتحدة كما قلتُ في البداية هو طرف في صناعة هذا المشكل واستدامته. وهنا لا يتسع المجال للخوض في هذا الجانب. وبغض النظر عن قرار الأمم المتحدة، فإن إيمان المغاربة بوحدتهم وتلاحمهم وعدالة قضيتهم هو سر قوتهم.
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»










































