ما يزال سؤال الحداثة في المغرب مطروحاً بإلحاح، ليس فقط من زاوية التحديث التقني والإداري، بل من حيث مدى تحقق الانتقال إلى دولة حديثة قائمة على المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية، بعيداً عن استمرارية البنى التقليدية وإرث مرحلة الحماية.
بعد أكثر من سبعة عقود مرت على استقلال المغرب، ما يزال سؤال الحداثة يفرض نفسه بإلحاح: هل أصبح المغرب دولة حديثة بالفعل؟ غالبًا ما تأتي الإجابة من خلال مؤشرات تبدو بديهية: توسع التعليم، تشييد الطرق، تحديث الإدارة، إنشاء المؤسسات، وتطور البنيات التحتية. غير أن هذا النوع من التقييم، على أهميته، يختزل مفهوم الحداثة في مجرد مظاهر تقنية أو إدارية، ويخلط بين ما هو تحديث وما هو حداثة بالمعنى الفلسفي للمفهوم. للجواب عن هذا السؤال، تجب العودة إلى معرفة معنى الحداثة. هل هي برنامج لبناء المدارس أو إصدار القوانين؟ هل هي توسيع شبكة الطرق أو تحديث الإدارة؟ …
الحداثة السياسية، كما ظهرت في الغرب، هي الانتقال من نظام السلطة الهرمية القائم على الولاءات الشخصية والشرعيات التقليدية إلى نظام تعاقدي تكون فيه السيادة للشعب، الذي يختار بحرية ممثليه وبرامج الحكم، ويفوض حكومة منبثقة عن مؤسسة تمثيلية لتنفيذ برنامج محدد، مع إخضاعها للمحاسبة في إطار دولة القانون والمؤسسات. ففي المجتمع الحديث، لا تستمد السلطة مشروعيتها من النسب أو القداسة أو القوة، بل من الإرادة الشعبية التي يعبّر عنها المواطنون الأحرار عبر الاقتراع الحر والتعددية السياسية.
وقد أدى هذا التحول التاريخي إلى انبثاق مفهوم جديد للفرد بوصفه مواطناً كامل الحقوق، لا مجرد تابع لجماعة أو خاضع لإرادة الحاكم. ومن هنا برزت أهمية الحريات الفردية باعتبارها ركناً أساسياً من أركان الحداثة؛ كحرية التعبير والاعتقاد والتنظيم والاختيار الشخصي، لأن الفرد الحر هو أساس العقد السياسي الحديث. كما أصبحت القوانين تُسنّ لتنظيم العلاقات بين الأفراد وحماية حقوقهم وضمان المساواة بينهم، لا لتكريس الامتيازات الموروثة أو إخضاع المجتمع لسلطة أشخاص بعينهم. فسيادة القانون تعني خضوع الجميع، حكاماً ومحكومين، للقواعد نفسها، وامتلاك كل فرد حق اللجوء إلى مؤسسات مستقلة لحماية حقوقه وإنصافه.
موليم العروسي
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية













































