كيف تحوّلت سياسات التشغيل في المغرب من منطق الاستيعاب الإداري إلى منطق إعادة تنظيم السوق؟ وما الذي ميّز كل مرحلة من مراحل هذا المسار؟ وأي صورة تقدمها هذه التحولات لمكانة الشغل في تاريخ المغرب المعاصر؟
منذ لحظة تشكل الدولة المغربية الحديثة، احتل الشغل موقعاً مركزياً في السياسات العمومية، إذ لم يكن مجرد شأن اقتصادي أو اجتماعي، بل أداة لإعادة صياغة التوازنات التي خلّفها زمن الحماية. تميز سوق العمل بانقسام واضح بين فضاء حضري محدود ارتبط أساسا بالأنشطة العصرية التي رسّخها الاستعمار، وفضاء تقليدي واسع ظل قائماً على أنماط إنتاج معيشية متوارثة. وفي ظل هذا التباين، جعلت السلطة من التشغيل وسيلة لدمج النخب المتعلمة الصاعدة، واحتواء التحولات الديمغرافية وترسيخ مشروعها في المجتمع.
عملت الدولة خلال العقود الأولى للاستقلال على تشكيل جهازها الإداري وتوسيع مؤسساتها العمومية، لتجعل منهما وسيلة فعالة في بسط الحضور داخل المجتمع وضبط توازنه عبر العمل والوظيفة. غير أن هذا المسار اصطدم تدريجياً بحدوده مع تضخم الكلفة المالية وتزايد الضغط الديمغرافي، فدخل المغرب في مطلع الثمانينات طوراً مختلفاً تراجع فيه دور الدولة كمشغّل مباشر، وبرزت البطالة الحضرية، واتسعت مجالات العمل غير النظامي باعتبارها الوجه الآخر للأزمة. ومع مطلع الألفية الثالثة، تغيّر موقع الشغل في السياسات العمومية، فلم يعد امتداداً للوظيفة الإدارية، ولا مجرد وسيلة لامتصاص الطلب الاجتماعي، بل تحول إلى مقياس لفعالية الاختيارات التنموية ومعيار لقدرة الدولة على المواءمة بين النمو الاقتصادي وحاجات الاندماج الاجتماعي. وفي العقد الثاني تعمّق هذا التحول، إذ أصبح الشغل ركناً في الخطاب العمومي بشأن العدالة الاجتماعية، وأداة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، ضمن توازنات جديدة تتجاوز منطق التوظيف المباشر، وتلامس أسئلة الاستقرار والتنمية في معناها الأوسع.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 145 من مجلتكم «زمان»











































