كيف تحول المسجد في المملكة من فضاء تعبدي مستقر ومنظم بالأعراف إلى مجال تتداخل فيه التحولات الاجتماعية والسياسية والخطابات المتشددة، وصولاً إلى إعادة تنظيم شاملة للخطاب الديني بعد أحداث 2003.
لم يكن المسجد في المغرب كيانا معزولا عن شروط تشكله التاريخي، ولا فضاء أُنجز خارج سياق السلطة والمجتمع .فقد اندرج زمنا طويلا داخل انتظام ديني مستقر، تؤدى فيه الشعائر ضمن حدود مضبوطة، وتُضبط ممارساته بالأعراف أكثر مما تُقيدها النصوص، وتُحيط بها رقابة غير معلنة لكنها فعالة. وبهذا المعنى، لم يكن المسجد مجالا لإنتاج خطاب مستقل، ولا ساحة مفتوحة للتجاذب، بل فضاء يؤدي وظائفه داخل ترتيب قائم، يحافظ على ما استقر من الممارسة الدينية دون أن يفتح المجال لتحولات حادة في الدور أو الخطاب. غير أن هذا الانتظام لم يكن منفصلا عن التحولات التي عرفها المجتمع .فمع نهاية القرن العشرين، بدأت تتغير شروط العمران، وأنماط الاجتماع، وأشكال التأطير الديني، دون أن يصاحب ذلك تصور واضح لوظيفة المسجد. ومع هذا التغير البطيء، برزت داخل فضاء المساجد مظاهر توتر خفي، لم يُنظر إليها حينها بوصفها تحولا في موقع المسجد، بل باعتبارها امتدادا عاديا لتحولات اجتماعية أوسع. فكيف خرج المسجد عن انتظامه التقليدي الذي حكمه طويلا؟ ومتى بدأ يتحول من فضاء تعبدي مضبوط إلى مجال تتنازع داخله خطابات وتأطيرات متعارضة؟ وأي دور اضطلعت به اختيارات الدولة، وتحولات المجتمع، ومسارات الخطاب الديني، في إعادة تشكيل المسجد داخل الحياة العامة؟
ظل المسجد في المغرب، خلال العقود الأولى التي تلت الاستقلال، جزءا من انتظام ديني مستقر، يقوم على صيغة غير مكتوبة من التنسيق بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية. لم يكن فضاء مفتوحا للتجاذب أو للتعبئة، ولا مجالا لإنتاج خطاب مستقل عن المرجعية الرسمية، بل إطارا تؤدى داخله الشعائر ضمن عمل جار، وتُضبط وظائفه عبر أعراف محلية وآليات إدارية غير مصرح بها لكنها فعالة .وقد جعل هذا الوضع المسجد بعيدا عن منطق الصراع السياسي، ومندمجا في النظام العام، كما يبين ذلك محمد الطوزي في كتابه “الملكية والإسلام السياسي في المغرب“.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































