لم تحمل الانتخابات التشريعية الأخيرة مفاجأة من شأنها أن تزلزل المشهد السياسي. كان العزوف واردا، وكان احتمال تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة “البام“ الانتخابات قائما، وتحسين نتائج العدالة والتنمية محتملا، وهو الحزب الذي عرف سقوطا مدويا في الانتخابات ما قبل الأخيرة .وبالفعل، كانت نسبة العزوف مرتفعة نسبيا، إذ بلغت نسبة المشاركة 38 في المائة من الكتلة المسجلة، ما يعني أن نسبة العزوف ناهزت 62 في المائة من الكتلة الناخبة…
تصدّر “البام“ الانتخابات بنتيجة مريحة، وهو الحزب الذي كان، منذ ،2011 في الرتب الأولى، من دون أن يتصدر النتائج، لكنه تمكن من انتزاع الرتبة الأولى في هذه الانتخابات .ويعزو كثير من المحللين التحاق فوزي لقجع به إلى العوامل التي أعطت دفعة قوية لـ“البام“، ولكن كذلك نأيه عن شريكه في الحكومة المنتهية ولايتها، التجمع الوطني للأحرار، وتحميله فشل السياسة الاجتماعية أو سوء تدبير إجراءات معينة.
أما النتيجة الثالثة، التي لم تفاجئ الملاحظين، فهي ارتقاء العدالة والتنمية إلى الرتبة الرابعة. كانت الانتخابات الأخيرة ستحدث زلزلة لو تصدّر العدالة والتنمية، ولأنه لم يحدث، فلن نضارب في ذلك.
المرحلة الثانية تأتي بعد اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للنتائج، ثم تشكيل أغلبية مع حلفائه، وهي عملية تخضع بطبيعتها لمفاوضات ومساومات وترضيات. غير أن العامل الذي سيحدد ملامحها حتماً لن يكون “الانسجام الحكومي“، بقدر ما سيكون القدرة على كسب رهان إكراهات المونديال .وسيكون “بروفايل“ المستوزرين وقدرتهم على رفع التحديات العامل الحاسم في تحديد شكل الحكومة ونجاحها.
ولكن الحكومة المقبلة لا يمكنها أن تتنكّب عن المسألة الاجتماعية، التي أضحت ذات أولوية ملحّة، بالنظر إلى الخصاص في مرافق معينة، وضعف الأداء، والتضخم، وارتفاع البطالة. صرف الاهتمام إلى المشاريع الكبرى على حساب المسألة الاجتماعية سيكون مكلفا، ومن كلفته العزوف عن المشاركة في الانتخابات.
ولا يمكن استقطاب الجماهير للمشاركة الانتخابية بمجرد الخطاب أو الوعظ أو الدعوة الأخلاقية، ولكن من خلال الانكباب على القضايا الاجتماعية التي تمس المواطنين مباشرة، وتجعل من الانتخابات ليس مجرد تمثيل أو استطلاع رأي كبيرا، بل تعبيرا فعليا عن انتظاراتهم. القضايا ذات الأولوية هي، بالأساس، التشغيل، مما يستوجب إدراج الفئة الشبابية المعروفة بـ“نييت“. وثانيا، الصحة، من حيث رفع نسبة التأطير الصحي، أي عدد الأطباء والجسم الموازي والمستشفيات، وبلوغ الاستشفاء، أو ولوجه كما يقال، والتغطية الصحية. ثم التعليم، من خلال نوعيته والارتقاء به، وليس فقط العرض المدرسي، لأن كل التقديرات تظهر أن تعليمنا متدنٍّ. ولا يمكن الارتكان إلى بنية موازية لتعليم حر، من شأنها أن تنشئ تفاوتات اجتماعية وتمايزات ثقافية، يمكنها أن تهدد سبيكة المجتمع. المسألة الاجتماعية كانت حاضرة، قبل سنة ونيف، في تعبيرات عدة، والعزوف الكبير عن المشاركة هو تعبير، لدى شرائح واسعة، عن استيائها وعدم إيمانها بالعملية الانتخابية في ظل استمرار الوضع الاجتماعي الكابي. ولذلك، فالرهان الأكبر الذي يقع على الحكومة المقبلة هو وضع حد لمغرب بسرعتين. هذا التفاوت بين مغربين، مغرب متحرك ومغرب جامد، هو ما يغذي التوتر.
ولكن السياسة ليست مجرد أرقام وبيانات، وإنما هي كذلك تواصل. وكان عجز الحكومة السابقة يكمن في ضعف التواصل. لكن ينبغي أن نقر بأن هناك عاملا مؤثرا لا دخل للحكومة فيه، وهو السياق الدولي، وهو سياق غير قار ومتأرجح، من شأنه أن يؤثر في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ولذلك، من واجب الحكومة المقبلة التقليل من الارتهان لسوق الطاقة، وضمان الأمن الغذائي.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير











































