مثّل ماي 1956 محطة بارزة في بناء الدولة المغربية المستقلة، مع تأسيس القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني، إيذانا بمرحلة جديدة من ترسيخ السيادة الوطنية وبناء المؤسسات المكلفة بحماية البلاد وضمان أمن مواطنيها.
قبل أن يعرف المغرب، في العصر الحديث، مؤسسات عسكرية وأمنية بالمعنى الذي استقر عليه مفهوم الدولة الوطنية، كانت مسألة الدفاع عن البلاد وحفظ النظام مرتبطة، في مراحل تاريخية مختلفة، بالسلطة المركزية وبالقبائل والفرق العسكرية والولاءات المحلية. وإذا كان المغرب قد عرف عبر تاريخه الطويل تجارب عسكرية منظمة وفعالة في عصر عدد من الدول الكبرى، وفي مقدمتها المرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويون، فإن البلاد لم تعرف، قبل القرن العشرين، جيشا وطنيا منظما حديثا بالمعايير المؤسساتية المعاصرة، قائما على تنظيم موحد وهيكلة دائمة تتبع للدولة الحديثة. ارتبطت القوة العسكرية في المغرب، خلال تلك العصور، بطبيعة الدولة نفسها وبالظروف السياسية والعسكرية التي كانت تحيط بها. فمع المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين، برزت جيوش قامت بأدوار حاسمة في توحيد البلاد والدفاع عن حدودها ومواجهة القوى الخارجية، غير أن هذه التجارب ظلت مرتبطة بالبنية السياسية والاجتماعية لكل مرحلة، ولم تكن امتدادا لمفهوم الجيش الوطني الحديث الذي يقوم على مؤسسات وقوانين وتسلسل قيادي وإدارة مركزية مستقرة.
ومع فرض نظام الحماية سنة ،1912 دخل المغرب مرحلة جديدة تغيرت خلالها بنيته العسكرية بصورة عميقة. فقد أصبح تنظيم القوات المسلحة خاضعا، بدرجات مختلفة، لمقتضيات النظام الاستعماري، فيما ظلت عناصر مغربية تشارك في تشكيلات عسكرية متعددة. ومع مرور العقود، راكم المغاربة خبرات عسكرية مهمة، سواء داخل البلاد أو من خلال المشاركة في جبهات الحرب إلى جانب القوات الفرنسية خلال الحربين العالميتين، وهو ما وفر لاحقا رصيدا بشريا مهما عند الانتقال إلى مرحلة الاستقلال. لكن حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 طرح أمام الدولة الفتية تحديا أساسيا: كيف يمكن الانتقال من منظومة عسكرية تشكلت في ظل الحماية إلى مؤسسات وطنية تعبر عن سيادة الدولة المغربية المستقلة؟
يونس مسعودي
المقال الكامل من العدد 157 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































