يُعتبر الجامع في المدينة المغربية قلبَ العمران وروحَه النابضة، إذ لم يكن فضاءً للعبادة فحسب، بل مركزًا للسلطة والعلم والحياة الاجتماعية. وتتجلى من خلال تطوره، خاصة في العصر العلوي الأول، ملامحُ عمارةٍ دينيةٍ واصلت تقاليدها المغربية الأصيلة، كما يجسدها نموذج جامع القرويين.
تُعدّ المساجد والجوامع الكبرى من أبرز المكونات العمرانية التي شكّلت المشهد الحضري للمدن المغربية عبر العصور، إذ لم تكن مجرد أماكن مخصصة لأداء الشعائر الدينية، بل كانت مؤسسات متعددة الوظائف تؤدي أدوارا سياسية واجتماعية وعلمية وروحية. وقد شكّلت هذه المعالم، صروحا كانت أم بنايات متواضعة، سجلا معماريا حيّا يعكس تطور العمارة الإسلامية بالمغرب، ويجسد في الوقت ذاته تحولات الدولة والمجتمع عبر المراحل التاريخية المختلفة .وتبرز أهمية دراسة هذه البنايات خصوصا خلال العصر العلوي الأول، حيث شهدت العمارة الدينية حركة نشيطة اتسمت بإعادة قراءة التراث المعماري المغربي في مجمل فتراته وتوظيفه في سياق سياسي وثقافي جديد. يميّز المتخصصون في العمارة الإسلامية بين “المسجد“ و“الجامع“ تمييزا وظيفيا ودلاليا؛ فالجامع هو البناية التي تُقام فيها صلاة الجمعة وتُلقى فيها الخطبة، ويضم منبرا رسميا لهذا الغرض، ويُعرف في الغالب بالجامع الكبير أو جامع الخطبة .أما المسجد، فيُطلق على كل الأماكن المخصصة لأداء الصلوات الخمس اليومية، مبنية كانت أم لا، دون وظيفة خطبية. ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة في دراسة التخطيط الحضري للمدن الإسلامية، إذ يحتل الجامع الكبير موقعا متميزا ضمن المجال العمراني، سواء من حيث مركزيته أو رمزيته. وقد ذهب عدد من الدارسين إلى أن الجامع كان أول ما يُخطط في المدينة الإسلامية، ومن حوله تتشكل الأسواق والحمامات والفنادق والدور السكنية. فهو القطب الذي تنتهي إليه الشوارع، والعنصر الذي يتحكم في توجيه الحركة العمرانية. غير أن هذه المركزية ليست قاعدة مطلقة؛ فقد يُقام الجامع في موقع استراتيجي ذي بعد رمزي أو دفاعي، كما هو الشأن في جامع حسان بالرباط المشرف على ربوة مرتفعة مطلة على المدخل البحري للحاضرة، يجمع بين ضفتي أبي رقراق، أو في بعض الجوامع التي ارتبطت مباشرة بمقار الحكم في القصبات أو غيرها.
مينة المغاري
تتمة المقال تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































