اضطلعت مساجد المغرب، عبر التاريخ، بعدة أدوار ووظائف يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور رئيسية، هي: الأدوار السياسية والشرعية، والوظائف التعليمية والتربوية، ثم الدور المحوري في التضامن والتكافل الاجتماعي.
يحتل المسجد في تاريخ المسلمين مكانة تتجاوز الوظيفة التعبدية التقليدية؛ فهو ليس مجرد صرح معماري للصلاة فقط، بل وحدة بنيوية تحكم طبيعة المدينة الإسلامية، وهو المؤسسة الجامعة الشاملة التي تتقاطع فيها خيوط السياسة بالعلم، والاجتماع بالاقتصاد. يكشف تتبع مسار هذه المؤسسة، عبر العصور من تاريخ المغرب، عن جهاز “إيديولوجي“ وإداري صاغ أسلوبا في العلاقة بين الدين والمجتمع، ويعكس أيضا جوانب من الدولة المركزية. كان بناء المسجد هو القرار الأول للنبي محمد عند وصوله المدينة المنورة، وقد ترسخت منذ تلك اللحظة قواعد المشروع الإسلامي. ولم يكن المسجد حينها مجرد حيّز جغرافي لأداء الشعائر التعبدية، بل كان مؤسسة شاملة انصهرت فيها أركان الدولة والمجتمع .وكان بمثابة الخلية الأولى التي تشكلت حولها نواة الأمة الإسلامية، حيث تم الدمج بين الدين والدنيا، فكان المسجد هو المحرك الأساس لانتشار الإسلام. لقد كان هذا المسجد بمثابة برلمان ومجلس شورى لإدارة النبي لدولته الناشئة، «ففيه كانت تُناقش السياسات العليا وتُعقد التحالفات، ويتم استقبال السفراء والوفود الدبلوماسية». كما أن العدالة كانت لا تخرج عن فضاء المسجد، بحيث يتم الفصل في القضايا والنزاعات تحت أعين الجماعة، فضلا عن توثيق عقود الزواج. شكل المسجد، أيضا، في الدول الإسلامية الأولى المتعاقبة محضنا للشؤون العسكرية، ففي محرابه كانت تُعقد ألوية الجيوش. وتورد بعض المصادر أن المسجد في زمن الحروب «كان يتحول إلى مركز لإدارة العمليات ومستشفى ميداني». كما احتضن المسجد ومرافقه اجتماعات خارج أوقات الصلاة، حيث كانت تعقد فيه حلقات العلم، ليس في موضوع العلوم الشرعية وحدها، بل احتضنت أروقة المساجد علوم الطب، والهندسة، والفلك، والكيمياء، كما هو الحال في جوامع بغداد وقرطبة وفاس ومراكش. هذا بالإضافة إلى أدوار أخرى سنتوقف عندها بالخصوص حول مساجد المغرب.
غسان الكشوري
تتمة المقال تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































