في هذا الحوار مع السياسي والوزير السابق، السعيد أمسكان، نسترجع تاريخا حافلا بالأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية .فالرجل الذي عاش حياة قاسية، استطاع تكوين رصيد مهني وسياسي بجهده الذاتي -وفق روايته- وقد عاش متنقلا بين ورزازات ومراكش والدارالبيضاء ومدن أخرى يمسحها طبوغرافيا، قبل أن تجبره المسؤوليات البرلمانية على الاستقرار بالرباط .أمسكان، الذي حظي بـثقة الملك الحسن الثاني في محطات عديدة وأمام خصومه السياسيين، يحكي لنا في هذا الحوار عن كواليس التدبير السياسي والحكومي الذي كان يشرف عليه الملك شخصيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ويقدم شهادته حول شخصيات صنعت التاريخ السياسي للمغرب، مثل الكَلاوي والبصري وأحرضان والسرفاتي وآخرين .هذا بالإضافة إلى حديثه عن رحلاته برفقة الملك عبر السفينة الشهيرة ”مراكش”، حيث كانت تدار شؤون البلاد على متنها، فضلا عن كشفه عن القضايا الكبرى والاختلالات التي اكتشفها حين كان وزيرا للنقل .هذا الحوار هو بوحٌ يسبق صدور مذكراته المرتقبة.
ما هي حكاية السعيد أمسكان ومن أين انطلقت؟
بدأت حكايتي منذ عام ،1943 في زمن اتسم بقسوة العيش، خصوصا في تلك السنوات الصعبة التي عرفت بعام البون .ولدت في قرية جبلية نائية تبعد عن ورزازات بحوالي سبعين كيلومترا، اسمها توندوت، وهي تنتمي إلى قبائل إمغران .تاريخيا، كانت هذه القبائل تتألف من خمسة فروع، وهي منطقة ذات عمق تاريخي؛ فقد وصل إليها المرابطون، وكانت في وقت من الأوقات –كما يقال– بمثابة معقل وعاصمة لهم. ومثل باقي أبناء جيلي، بدأت بالتردد على المسيد (الكتّاب) لحفظ القرآن الكريم. أما والدي فكان يعمل في التجارة؛ حيث كان يجلب التمر من زاكورة على ظهور البغال ليبيعه في مراكش، ثم يعود محملا بالبضائع إلى قريتنا. كانت رحلة شاقة تستغرق أسابيع، لكن في نهاية الأربعينيات، كان أول شخص في القرية يقتني شاحنة، فتولى توزيع المواد التموينية، وانتعشت تجارته بشكل واسع.
في تلك الفترة، هل كان الوجود الفرنسي حاضرا في قريتكم؟
لا، لم يكن للفرنسيين وجود مباشر في قريتنا، فقد كانت بعيدة عن نفوذهم الميداني، إذ كانت أقرب نقطة لهم تبعد عنا حوالي 26 كيلومترا. لكن نفوذهم كان يصلنا عبر وسطاء، وتحديدا عبر خلفاء الباشا الكلاوي والقائد حمو. كانت منطقتنا معقلا لمقاومة شرسة؛ فلطالما أبى سكان الجبال الخضوع، وضحوا بالغالي والنفيس للحفاظ على حريتهم.
وكيف كانت مسيرتك الدراسية في الظروف التي كان المغرب فيها ما يزال مستعمَرا؟
كنا ندرس على يد فقيه القرية، وكان رجلا لا ينطق بكلمة واحدة باللغة العربية، لا الفصحى ولا الدارجة؛ كان يتكلم الأمازيغية فقط ويحفظ القرآن بشكل آلي دون فهم معانيه. وفي أحد الأيام، زارنا تاجر من منطقة سوس كان يتعامل مع والدي، والتقى بالفقيه ولاحظ أنه لا يجيد العربية، فنصح والدي قائلا: لا تترك أبناءك يضيعون هنا، هذا الفقيه لن يعلمهم شيئا، خذهم إلى مكان يتعلمون فيه ما ينفعونك به مستقبلا. في ذلك الوقت، كانت مغادرة القرية تعتبر أمرا غير مقبول اجتماعيا، وكان والدي أميا كباقي أهل المنطقة، لكن بعد تردد طويل وصراع داخلي، اقتنع بنصيحة صديقه، وهكذا انتقلنا إلى مراكش عام .1950
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 150 من مجلتكم «زمان»













































