تُضيء معطيات عدد الجيش الموحدي، رغم ما يكتنفها من مبالغة وشح، جوانب خفية من البنية الديموغرافية للدولة، وتكشف كيف ارتبط تضخم القوة العسكرية باتساع المجال، قبل أن يعكس انهيارها تراجعًا سياسيًا وبشريًا عميقًا.
يعتقد أن دول العصور الوسطى كانت تولد وتنمو في إطار القدرة على تجنيد الجند، واكتساح الأرض، وتشيخ حينما لا تعود قادرة على حسم مشاكلها وضبط مجالها .لذا، تكتسي عملية تتبع المعطيات الإحصائية التي تهم عدد الجيوش بالمغرب الأقصى أهمية بالغة، لما يمكن أن تقدمه من نتائج للباحثين أثناء إنجاز عمليات حسابية لعدد الجيش. لقد حاولنا رصد معطيات عدد الجيش الموحدي وفق مقاربة إحصائية رقمية وانطباعية لفهم بعض الدلالات الديموغرافية في مجال الدولة الموحدية رغم الصعوبة المنهجية وما يكتنف المعطيات الإحصائية من شح أو تضخيم. ينصب موضوع دراستنا حول محاولة رصد معطيات إحصائية رقمية وانطباعية عن عدد الجنود في عصر الدولة الموحدية. وأثناء دراسة الأرقام، يجب الانتباه إلى ما يعتورها من خصوبة التزوير والتلفيق والمبالغة والتعميم، وهذا يستدعي اليقظة والحرص أثناء معالجة المعطيات حتى لا نسقط في تخريجات وأحكام “لا تاريخية“. ولا غرو أن ابن خلدون كان من السباقين إلى اتخاذ المنهج النقدي، أثناء معالجته لبعض النصوص الإحصائية الخاصة بعدد الجيوش، وتمكن من تفنيد ودحض عدة روايات تاريخية لا يستسيغها العقل أو المنطق، مثل الرواية التي نقلها المسعودي وكثير من المؤرخين حول عدد جيوش بني إسرائيل. وعلى أي، فقد ذهب صاحب “المقدمة“ إلى فكرة مؤداها، أن النفس الإنسانية تنزع إلى التهويل والتضخيم كلما أثير موضوع أعداد الجيوش، «وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان.. فيرسل عنانه، ويسيم في مراتع الكذب لسانه»، وكذا «..التيه في بيداء الوهم والغلط لاسيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر..، إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر».
حميد اجميلي
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































