حين حاول المخزن إخضاع قبيلة بقيوة سنة،1898 وجد نفسه في مواجهة شبكة معقدة من التهريب والحمايات الأجنبية والمصالح الاستعمارية .ومن قلب هذه الأزمة، برزت الباخرة الفرنسية ”أمير” لتكشف حدود السلطة المغربية على السواحل الريفية.
في أواخر القرن التاسع عشر، صار الساحل الممتد بين بادس والنكور فضاء تتقاطع فيه تجارة السلاح والتهريب، واعتراض المراكب الأوروبية واحتجاز الرهائن. وفي هذا الشريط البحري، حضر اسم بقيوة، لا باعتبارها قبيلة ساحلية معزولة، بل باعتبارها موضعا تحولت حوادثه إلى شكايات قنصلية ومطالب تعويض أثقلت كاهل المخزن، ودفعت ملف الريف إلى واجهة المراسلات بين طنجة والعواصم الأوروبية. في سنة ،1898 قرر المخزن أن ينقل الملف من المكاتبات إلى الميدان، فوجه مْحَلة إلى بقيوة لتأديبها وإغلاق واحد من أكثر منافذ الساحل إحراجا له. غير أن هذا التأديب لم يجر في فراغ؛ فقد كان مرتبطا بوساطات قنصلية وحمايات أجنبية ومسالك بحرية، جعلت القبض والزجر أعقد من قرار السلطان وحركة المحلة. في خضم هذا التشابك، ستبرز الباخرة الفرنسية “أمير“، لا كحادث بحري عابر، بل كواقعة كشفت حدود سلطة المخزن على ساحل ظل مفتوحا على القناصل والبحر والجزائر الفرنسية. فكيف تحول اضطراب ساحلي إلى ملف قنصلي؟ ولماذا عجزت المْحَلة عن إغلاق منافذ البحر رغم نجاحها في البر؟ وكيف انتقلت فرنسا، بعد واقعة “أمير“، من الدفاع عن باخرتها إلى مساءلة المخزن عن حدود العقاب ومسؤولية من غادروا بقيوة؟
ارتبطت بقيوة بالاضطراب الذي عرفه الساحل الريفي في أواخر القرن التاسع عشر، بحكم موقعها الممتد بين خليج الحسيمة وما وراء بادس. فقد قربها هذا الموقع من المراسي الصغيرة والجزر والمواضع المحتلة التي كانت تمر عبرها السلع والسلاح بعيدا عن الرقابة الجمركية المنتظمة. ولم يكن المخزن، في هذا الشريط البحري، يواجه جماعة قبلية وحدها، بل شبكة من المبادلات والتهريب والحمايات الأجنبية، وهي شبكة جعلت ضبط الساحل أعقد من إرسال قائد أو تحريك محلة.
محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































