يبدو الحديث عن ”الإسلام المغربي “في الخطاب العام وكأنه يتناول معطى ثابتا ومستقرا عبر الزمن، يستند إلى المالكية والتصوف وإمارة المؤمنين بوصفها مرتكزات راسخة للهوية الدينية الوطنية. غير أن العودة إلى التاريخ وإلى تحولات المجتمع تكشف أن الأمر أكثر تعقيدا من مجرد استمرارية لموروث ديني واحد.
تكوّنت مرجعية المغاربة الدينية من احتكاك الدين بشؤون الحكم والمعاش: القاضي حين يفصل، والفقيه حين يفتي، والزاوية حين تصلح وتؤوي، والمسيد حين يلقن، والبيعة حين تصل السلطان بالجماعة. ومن هذا الاحتكاك، صارت المالكية إطارا للقضاء والفتوى، وصار التصوف سندا للصلح والبركة والانتساب الروحي، وحضرت الأشعرية في ضبط الاعتقاد، بينما منحت إمارة المؤمنين للسلطة صلتها الدينية بالجماعة .ثم أعادت الدولة الحديثة جمع هذه العناصر في خطاب رسمي يقدمها باعتبارها مرتكزات النموذج الديني المغربي. ومع اتساع الإدارة والمدرسة والمجالس العلمية والإعلام والمنصات الرقمية، تعددت مسالك التلقي الديني بعد أن ظل زمنا أقرب إلى الفقيه والزاوية والعرف. فما الذي بقي من تدين المغاربة كما تشكل في التاريخ؟ وما الذي تغير حين انتقلت المرجعية من عمل يومي داخل المجتمع إلى خطاب رسمي ومؤسسات منظمة؟ وكيف تبدلت وظائف الفقيه والزاوية والتعليم والفتوى في حياة الناس؟ وهل ظل “الإسلام المغربي“ هو نفسه لأنه احتفظ بمرتكزاته المعروفة، أم أن هذه المرتكزات صارت تعمل اليوم بطريقة غيرت معناها وموقعها وسلطتها؟
استقر حضور المالكية في المغرب قبل أن تقترن لاحقا بالأشعرية والتصوف، عبر قرون من عمل الدولة والفقهاء والزوايا ومؤسسات التعليم. لم يكن ذلك امتدادا مباشرا للحظة دخول الإسلام إلى البلاد، بل مسارا طويلا تنافست فيه الدعوات، وبحثت السلطة عن سند ديني يمنحها الشرعية ويقربها من الناس. لذلك، لم يكن التدين المغربي نقلا بسيطا لعقائد وأحكام من المشرق، بل تشكلا داخليا صاغته الدول، والمدن العلمية، والزوايا، والمنازعات التي رافقت محاولات إصلاح الدين أو ضبطه. وقد نبّه عادل الطاهري، في أطروحته “على عتبة العصر الحديث في المغرب: مراجعة للتحقيب“، إلى أن المرجعية الدينية المغربية لا تُفهم باعتبارها مذهبا معزولا أو عقيدة معلقة، بل باعتبارها نسيجا تاريخيا صنعته مؤسسات التعليم، ومكانة الفقهاء، وحضور التصوف، وصلات الدين بالسلطة والمجتمع.
محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































