ما تزال العديد من الأسئلة حول التاريخ المغربي تُطرح كل فترة وحين، لا سيما تلك المتعلقة بتقسيم التاريخ بناء على التغيرات التي حدثت سياسية كانت أم اجتماعية أم محددات أخرى. وبالتعمق في إشكاليات التحقيب، نفهم مثلا مدى التشابه أو الاختلاف بين مغرب القرن 01م والقرن .02في هذا الحوار مع الباحث عادل الطاهري، صاحب أطروحة “متى يبدأ العصر الحديث بالمغرب؟”، نفصّل في ثنايا الموضوع.
من أجل فهم بعض المظاهر الاجتماعية أو السياسية أو الدينية التي طبعت تاريخ المغرب وربما ما يزال بعضها قائما، كيف يجب أن يتعامل المؤرخ مع “التحقيب الزمني” الذي يحصر بعض تلك المظاهر في فترة زمنية محددة؟
هذا السؤال في الواقع يحيلنا على لب الأطروحة التي اشتغلت عليها. عادة ما ينظر التحقيب الكلاسيكي إلى الجانب الحدثي في التاريخ، يرصد بعض التغيرات، ويحكم بأن المغرب عرف عصرا حديثا. ما يحاول أن يبرزه العمل الذي قدمناه، هو النظر في البنيات، أي ما يثوي وراء الحدث من بنية سكونية. فعلى المستوى السياسي، وراء الانتقال من العصبية إلى الشرف، هناك مؤسسات سياسية ظلت تشتغل على المنوال نفسه: مثل الوزارة والكتابة والحجابة، حتى بعض سمات التاريخ السياسي المغربي ظلت تتكرر طوال العصر الوسيط الطويل مثل الأزمات المتعلقة بالانتقال من سلطان إلى آخر، أي ولاية العهد. على أن هذا التحقيب نفسه يتناسى أن ظهور مشروعية الشرف قد برزت إرهاصاتها في العصر الوسيط وفق التحقيب الكلاسيكي. وإلى هذا الأمر، يومئ محمد القبلي في دراسة هامة عن ظهور مشروعية الشرف في زمن السعديين، حيث يعترف أن ذاك التقسيم الكلاسيكي “مليء بالأحداث المتداخلة“. كما يغفل هذا التحقيب تسليط الضوء على جوانب أخرى من الحياة الإنسانية. وماذا نجد حين نحلل البنية الاجتماعية؟ في الواقع نجد تقسيمات احتفظت بكامل حضورها طوال العصر الوسيط الطويل، حيث المجتمع يتكون من فئتين: العامة والخاصة. وأما طبيعة العلاقات التي قامت بين مختلف المكونات القبلية للمجتمع المغربي، فتختزل فيما يطلق عليه الأنثربولوجيون بالانقسامية. في الاقتصاد استمرت نفس التقنيات المعتمدة في الفلاحة والصناعة إلى أن اصطدمت هذه البنيات العتيقة بالمستعمر. وكذلك ضريبة الترتيب الحسني؛ فكما يشير إبراهيم بوطالب، فإن اعتماد مصطلح الترتيب نفسه يحيل على تحفظ من مصطلحات تحمل دلالات تجديدية مثل الإصلاح. أما في الثقافة، فيمكن القول مع محمد حبيدة أن الدين ظل هو المرجعية الأولى التي تؤطر تفكير المغربي.
يمكن أن نتقبل أن بعض المظاهر السياسية والدينية ظلت قائمة رغم تبدل الدول الحاكمة مثلا: مؤسسة المخزن أو الزوايا. لكن هل يمكن أن نستنتج أن إنسان العصر الوسيط، في تفكيره ونمط عيشه، قد يشبه، إلى حد ما، إنسان الفترة المعاصرة إلى وقت قريب؟
يمكن أن نختصر الجواب عن هذا السؤال من خلال فكرة التقدم في التاريخ. وأعني بذلك أن نصغي لموقف الإنسان المنتمي إلى العصر الحديث وفق التحقيب الكلاسيكي من المناخ الثقافي السائد في العصر الوسيط. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نترك مسافة من نظرية المركزية الأوربية، فعندما نقول فكرة التقدم لا نعني بذلك أن يدلي المغاربة في الفترة الحديثة بآراء توافق ما قاله كوندورسي أو المذاهب التي جاءت لاحقا مثل الوضعانية عن تقدم التاريخ البشري. ما نعنيه بالضبط هو ما أشار إليه المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف في كتابه “هل يجب حقا تقطيع التاريخ شرائحا؟“، حيث إن كل حقبة جديدة تحمل نفَسا ثقافيا مغايرا يحملها على استهجان الروح الثقافية السائدة في الحقبة السالفة. وهذا الأمر يعسر جدا إثباته، بل إن نقيضه هو الذي يفرض نفسه. وقد نعثر في التاريخ المغربي على نماذج كثيرة تحمل في باطنها براديغم تمجيد الماضي وإكبار أهله. وهذا بالذات ما قصدته بالقول في عملي، أن أقصى ما كان يتوق إليه المغاربة في الفترة الحديثة هو أن يشبهوا أجدادهم الوسيطيين. وهذا الأمر نصادفه في المبادرات السياسية والمرجعيات الثقافية بل حتى في محاولات التجديد على المستوى الاقتصادي المادي. نعرف أنه لما كان أحمد المنصور الذهبي (1603-1578) يتوق لمجاراة النزعة التوسعية التي وَسمت العصر الحديث؛ جمع مجلس الشورى الذي يتشكل من علماء، فعرض عليهم مشروع “غزو السودان“، فكيف أجاب العلماء عن هذا المشروع؟ ذكّروه بعظمة الدول السابقة وضخامة ملكهم، ثم أشاروا إلى أنه لم تطمح همتها للقيام بهذا المشروع، ثم كان موقفهم “حسبنا أن نقتفي أثر تلك الدول“ .أما عن النظرة التي كانت تثوي وراء هذا الموقف، فهي ما عبروا عنه بقولهم: “المتأخر لا يكون أعقل من الأول“. هذا البراديغم أسفر عن وجهه مع سلطان يعد من كبار “المجددين“ في تاريخ المغرب؛ وهو السلطان سيدي محمد بن عبد الله .(1757-1790) لا يمكن بلا شك أن نغفل جوانب مهمة من تجديد هذا السلطان الذي وصفه عبد الله العروي بصانع المغرب الحديث، لكن ما يثير الانتباه في المرجعية الثقافية لمجمل مشاريعه الإصلاحية هو الوفاء للأقدمين. فقد كان جوهر نقده للعلماء في زمانه مختزلا فيما عبر عنه بقوله: “لقد تركوا كتب الأقدمين المرضيين واشتغلوا بكتب المتأخرين“.
حاوره غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































