لما بدأ الحديث عن الانتخابات في المغرب في بداية الستينيات، لم تكن الكلمة متداولة، ولم تكن عامة الشعب تعرف معناها .في الحقيقة، لم يكن أحد يريد أن يُعلِّمَ أطياف الشعب المغربي معنى أن يَنْتَخِبَ. كانت السلطات، مستعينة بأعوانها، تأمر الناس بما يجب فعله، وإن تعذر الأمر، تقوم بالواجب باسمهم. كانت الكلمة غريبة على الفضاء السمعي واللغوي بالمغرب .لا أدري كيف تلقتها فئات الشعب المغربي الناطقة بالأمازيغية، لكن فئاته الناطقة بالعربية حاولت أن تجد لها مكانًا في سوق الكلمات والعبارات المتداولة. وبما أن أول كلمة أُطلقت في سوق الدعاية للاستحقاق كانت هي “انتخاب“، فإن فئات الشعب سمعت “انتخام“. فكنت تسمع في الأسواق وفي الطرقات وخلال الجلسات العائلية أن الدولة أعلنت عن “الانتخام“ .وعندما يسأل أحدهم عن تدقيق ما يتعلق بمعنى الكلمة، يجيبه من الجماعة ذلك الذي يقدم نفسه كعارف بالأمور، أن الأمر يتعلق بمجموعة من الناس، وسوف يُطْلَبُ منا الذهاب إلى مكتب السلطة المحلية «باش نْتَناخْموا عليهوم».
كان الجميع يعرف معنى «نتناخمو»، ويتعجب داخل سريرته، إذ كان يقول: ربما أن في ذلك حكمة ما، لا تعرفها إلا السلطات التي كان يثق بها في ذلك الزمان الجميل. فلم يكن الناس يضحكون ولا يُبدون الاستغراب، لكن شيئًا ما كان غير واضح في العملية ككل. كانوا يعرفون أن السلطة لا تفعل الأشياء عبثًا. ولذلك لم يكن السؤال هو: لماذا ننتخب؟ وإنما كان السؤال الذي يختبئ وراء الكلمة: ماذا يعني أن نتنخم؟
والحقيقة أننا عندما نعود إلى لسان العرب ونستفسر عن “الانتخام“ نجد هذا المعنى: انتخم من الجذر ن.خ.م، ومعناه أخرج النُّخامةَ من حلقه، أي تَنَخّمَ. والمغاربة يستعملون بكل وضوح فعل تنخّم بالمعنى نفسه. لذا يمكن أن نفهم استغراب المغاربة الناطقين بالدارجة المغربية من العملية برمتها. كيف تقوم السلطات بتعبئة الشعب لكي يحضر في نفس اليوم، وربما في نفس الساعة، وينتظم في طوابير ليتنخّم على مجموعة من الناس؟ استغراب الناس كان له ما يبرره، فهم يحتفظون بصور العقاب المخزني عبر التاريخ.
لقد كان التشهير بالمذنب، أو الفضيحة العلنية، أداة عقابية أساسية يُشْرِفُ عليها المخزن أو ممثلوه، كالقائد أو المحتسب، بهدف إعادة فرض الهيبة وإظهار سلطة النظام على المجتمع. وكان من طقوس التشهير أن يُطاف بالمذنب في الأسواق والساحات العامة، وغالبًا ما يكون راكبًا حمارًا بالمقلوب، مع المناداة بذنبه، بحيث يتحول العقاب إلى مشهد جماعي علني. وخلال هذا الطواف، كان للناس حق ضمني أو عرفي في البصق على المذنب أو التَّفَلَ عليه ورش القاذورات، باعتبار ذلك جزءًا من العقاب الجماعي وإمعانًا في إخراجه من دائرة الاحترام الاجتماعي. وكان ارتباط هذا الفعل بالسلطة واضحًا، إذ إن إقرار المخزن لعقوبة التشهير يعني، من الناحية الرمزية والاجتماعية، إذنًا علنيًا برفع الحماية عن وَجْهِ المذنب وكرامته، وتحويله إلى شخص مستباح للإهانة والنخامة والبصق من طرف المجتمع.
ومن هذا المنطلق، كان ناس الستينيات يتساءلون عمن هم هؤلاء المذنبون الذين سوف نُفْرِدُ يومًا كاملًا للبصق والتَّفَلِ والتَنَخُّم على وجوههم؟ وعلى الرغم من مرور يوم الاقتراع واستيضاح أمر الانتخاب، فإن الناس بقيت تردد في اليوم التالي هذا السؤال الغريب: «على من تَنَخَّمْتَ؟». فيجيب الشخص: «لقد تنخمت على فلان أو علان». هكذا، ولمدة سنين طويلة، ولا يزال هناك إلى يوم الناس هذا من يتشبث بنفس الكلمة التي صار لها وقع المفهوم.
وكان يحدث أن يلتقي الناس الشخص الذي تنخّموا عليه، فيبادرونه بالتهنئة، فيرد مبتسمًا منشرحًا متباهيًا بانتخامه. لكن يبدو أن المتنخّم عليه كان لديه معنى آخر لفعل تَنَخَّمَ.
وفي هذا الباب يفيدنا لسان العرب بمعنى آخر لفعل انْتَخَمَ، وانتخام. يقول ابن منظور: انْتَخَمَ: أكل حتى أصابته التُّخمة، أو أفرطفي الأكل حتى امتلأ. ويقال أيضًا: اتَّخَمَ. من هنا نفهم لماذا يجيب ذلك الذي ظن الشعب أنه تنخّم عليه بالابتسامة والانشراح.
لذا، وبعد مرور دورات انتخابية عدة، أصبحت الناس تفهم معنى كلمة انتخام في وجهيها البلاغيين، وأصبحت تطلب مسبقًا مقابلًا للانتخام .تطلبه إبان الحملة، وتطلبه خلال ولاية المُتَنَخَّمِ عليه. فالمقابل الأول غالبًا ما يُؤدّى نقدًا، والمقابل الثاني على شكل خدمات. فالشخص الذي يعوّل على إعادة ترشيحه للتنخُّمِ، عليه أن يُكَوَّنَ وعاءً انتخابيًا، من خلال تقديم خدمات لا تكلفه في الغالب إلا بعض المال أو الولاء للسلطة، مع ما يستتبعه ذلك الولاء من تضحيات. ولعل لعنة الانتخام هاته قد وصلت إلى بعض الأحزاب السياسية، حيث حوّل رؤساؤها تزكيات المرشحات والمرشحين من المناضلات والمناضلين إلى عمليات انتخامية قبل حلول الاستحقاق.
هكذا بدأت الانتخابات في المغرب ومنذ ذلك الزمان وهي تراوح مكانها بين النُّخامة والتُّخمة.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير











































