في هذا الحوار الاستثنائي، مع مفكر استثنائي، نتعرف على جوانب دفينة في شخصية أدونيس؛ إذ نغوص في الجذور الأولى التي صاغت وعيه الشعري والفكري. ولا يقتصر هذا اللقاء على التنظير الثقافي، بل ينطلق من سردية طفولة نابضة بالحياة؛ حيث نتعرف على ذاك الفتى البدوي الذي تحدى سلطة الإقطاع متسلحا بالقصيدة، ووقف أمام رئيس الجمهورية السورية .ثم ينتقل بنا أدونيس في هذا الحوار العميق، من تفاصيل نشأته إلى تشريح دقيق وحاد لواقع الأمة العربية اليوم. حيث يضع إصبعه على جراح أزمة الهوية، وتهميش المواطن لصالح السلطة، وتراجع اللغة العربية، وغياب القارئ الحقيقي. وبجرأته المعهودة، يفكك ”هيمنة الفقه “الذي يرى أنه صادرَ غنى المجاز القرآني، وحوّل الدين إلى أداة سياسية. كما يعيد استنطاق مفاهيم الحب والحرية التي يراها غائبة في مجتمعاتنا، مقدماً رؤية نقدية لمستقبل منطقة تُعاد صياغة خرائطها البشرية والثقافية.
يتطلع القراء إلى التعرف على أدونيس من زاوية مختلفة عن التقديمات المعتادة؛ زاوية تسلط الضوء على الأشياء التي طبعت مسيرته وعلاقته بالأرض والناس قبل ولوجه حياة الفكر والنضال، والعوامل الأولى التي أسهمت في تكوينه.
ثمة عقبات كثيرة تحول دون معرفة أدونيس على حقيقته .فعلى سبيل المثال، حين نتحدث عن الشعر وأقول «أنا شاعر»، فإنني أقصد شيئا مختلفا تماما عما هو سائد. أنا أشير إلى معنى ودور جديدين للشعر، وهو أمر لم يُفهم كما ينبغي حتى الآن .لذلك، عندما أتحدث عن “الأفق“ في الشعر، يظل الأفق السائد محصورا في دلالات أخرى. إنها مشكلة موضوعية ومن الصعب حلها.
إن الركيزة الأساسية التي أتذكرها، والتي صاغت توجهي، هي علاقتي بأبي .أكتشف الآن أنه كان صديقا أكثر من كونه أبا بالمعنى التقليدي. لم يجبرني يوما في حياتي على فعل شيء رغما عني، بل على العكس، علّمني معنى الحرية .كان يكتفي بالقول: «اتخاذ القرار أمر سهل، لذا يجب أن تدرس المسألة التي تواجهها بدقة من كافة الجوانب قبل أن تقرر، ثم خذ حريتك .ليس لدي ما أقوله لك سوى أن تكون حرا، ولكن بعد التفكير والدراسة». على هذه القاعدة الأساسية بنيت حياتي. بقيت في القرية حتى السادسة عشرة من عمري دون أن أدخل المدرسة. وفي عام ،1943 نالت سوريا استقلالها وتأسست الجمهورية الأولى، وقرر رئيسها الأول، شكري القوتلي، إجراء جولات للتعرف على المناطق السورية. كنت حينها في السادسة عشرة، فقررت أن أكتب قصيدة لألقيها أمام الرئيس عند زيارته لمنطقتنا .كنت واثقا أنها ستنال إعجابه وسيسألني: «ماذا نستطيع أن نقدم لك يا بني؟»، هكذا تخيلت المشهد، وكنت أعدّ إجابتي البسيطة: «أريد الدخول إلى المدرسة».
كيف كان إلقاء القصيدة أمام الرئيس؟
فعلت ما طُلب مني، ووقفت أنتظر دوري، لكنهم نسوني في خضم انشغالاتهم. وفي اللحظة التي هَمَّ فيها الرئيس بإلقاء كلمته، تقدّم رجل ما أزال أذكر اسمه، محمود عبد الرزاق، جاء غاضبا وأمسك بي متسائلا: «لماذا لم تُلقِ قصيدتك؟». أجبته بأن أحدا لم يطلب مني ذلك. حينها، قاطع الرجل استعداد الرئيس للحديث وصاح بأعلى صوته: «يا فخامة الرئيس! لدينا طفل جاء من أعالي الجبال لينقل إليك مشاعر أهل الجبل، نرجوك أن تصغي إليه». دفعني نحو المنصة في الساحة العامة، فسمح لي الرئيس بإلقاء القصيدة.
ألقيت قصيدتي، وخطف الموقف أنظار الجميع حتى بات الاهتمام مقسوما بيني وبين الرئيس. التفتت حولي الجماهير، وصفقت بحرارة، فقد كان إلقائي للقصيدة حدثا استثنائيا. وبعدها، بدأ الرئيس خطابه مقتبسا شطرا من قصيدتي قائلا: «كما قال الطفل: فأنت لنا سيف ونحن لك الغمد».
بعد انتهاء الخطاب، استدعاني الرئيس واصطحبني إلى “السرايا“، وهناك احتضنني وسألني السؤال الذي طالما تخيلته وانتظرته: «يا بني، ماذا تريد أن نقدم لك؟». أجبته: «لا أريد شيئا سوى أن أدخل المدرسة». رد عليّ: «ستدخل المدرسة»، وأحالني إلى شخص معني بهذا الأمر يُدعى رياض عبد الرزاق، نائب طرطوس. وبالفعل، بعد أسبوع واحد، وصلني تبليغ للتوجه إلى طرطوس للالتحاق بالمدرسة. ومن تلك اللحظة، بدأت حياتي الجديدة.
حاوره موليم العروسي
المقال الكامل من العدد 152 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية













































