في هذا الحوار، نغوص مع الوزير السابق والأستاذ الجامعي والكاتب إدريس العلوي المدغري، في ذاكرته ومساره الحافل بالمسؤوليات والأحداث .ضيفنا ليس مجرد شاهد على العصر، بل فاعل أساس في محطات مفصلية؛ بدءا من تشربه للوطنية في كنف جده ”شيخ الإسلام “محمد بلعربي العلوي، وصولا إلى نجاته ”الهوليودية “من محاولة انقلاب الصخيرات عام .1971 يفتح لنا ضيف العدد خزانة أسراره، ليكشف كواليس اشتغاله المباشر مع الملك الحسن الثاني، وتفاصيل تدبير أزمة الخليج النفطية، والمفاوضات العسيرة لإقامة مشروع أنبوب الغاز بين المغرب والجزائر، كما يُميط اللثام عن خفايا تأسيس “اتحاد المغرب العربي”، وكواليس استحواذ الدولة على القناة الثانية ”دوزيم “لتجنب إفلاسها واحتواء التوترات السياسية مع القصر، بالإضافة إلى صداماته مع وزير الداخلية وقتئذ إدريس البصري ..ومواضيع أخرى.
قبل أن نتطرق إلى مسارك الوزاري ونشأتك الأولى، هناك سؤال عام نعيش تفاصيله حاليا؛ وهو إشكالية تأثر المغرب الدائم بأي أزمة تقع في العالم، بحيث يبقى مرتهنا بها .فعلى سبيل المثال، الحرب التي وقعت في إيران، أدت بسرعة لارتفاع أسعار البنزين في المغرب .هذا يعني أن المغرب ما يزال متأثرا بالتقلبات الدولية بشكل كبير، وهو أمر عايشتَه بطبيعة الحال خلال محطات سابقة. ما هو تقييمك العام لهذا الوضع؟
حينما تندلع أزمة عالمية تفرض تداعياتها حتما على مختلف البلدان، والتي تواجهها بناء على ما تمتلكه من أساليب وإمكانيات. المغرب، بحكم امتلاكه لإمكانيات ومقومات متعددة، يستطيع مواجهة هذه الأزمات، لكنه في الوقت ذاته يعاني من بعض نقاط الضعف. وعلى سبيل المثال، إذا أخذنا إشكالية ارتفاع أسعار البترول والغاز عند وقوع أي أزمة، كالأزمة الحالية أو الأزمات السابقة (والتي واجهتها شخصيا حين كنت على رأس وزارة الطاقة والمعادن سنة 1990 إبان أزمة الخليج)، ففي تلك الفترة، كانت 30% من الطاقة التي يستوردها المغرب تأتي من العراق، و30% أخرى تأتي من الكويت؛ مما يعني أننا، بين عشية وضحاها، وجدنا أنفسنا أمام خصاص يبلغ 60%، وكان لا بد من مواجهة هذه الإشكالية الطارئة. تتمثل نقطة ضعف المغرب الأساسية في افتقاره للطاقات الأحفورية، وهذا الاعتماد الخارجي على البترول يفرض على البلاد ضرورة توفير حلول بديلة. هذا التحدي هو ما دفع المغرب تحديدا للتوجه نحو الطاقات المتجددة. ومنذ ذلك الحين، انطلقت الدينامية والعمل على بناء قدرات لإنتاج الطاقات البديلة واستخدامها. لقد قطع المغرب أشواطا كبرى منذ ذلك التاريخ، مما يتيح له مواجهة الأزمات بفعالية، لكن نقاط الضعف تظل قائمة. واستمرار هذه النقاط، لا يعني أن المغرب لم يتخذ السياسات اللازمة في هذا الميدان؛ فقد شهد مجال التنقيب عن البترول عمليات مكثفة، ويمتلك المغرب مؤسسات واتفاقيات مع شركات عالمية كبرى، إلا أننا لم نكتشف حتى الآن كميات كافية من البترول أو الغاز، وهذا أمر وارد وطبيعي. بل إن ما قد يثير الاستغراب حقا هو أن المغرب، رغم كل هذا، استطاع الخروج من الأزمات التي توالت عليه. وذلك يعود إلى القدرة على اتخاذ مبادرات استباقية، كمبادرة الطاقات المتجددة، والسياسة المتبعة التي أحدثت حركية كبرى في مجال البحث والتنقيب .اليوم، أصبحنا أكثر ارتباطا بالسوق العالمية، ومن ثمّ فإن أي خلل يمس هذه المنطقة ينعكس علينا بالضرورة. نحن نعيش في ظل اقتصاد عالمي له إيجابياته، لكن بطبيعة الحال، لا يمكن لأي دولة تحقيق الاكتفاء الذاتي المطلق، إذ يستحيل بلوغ ذلك بكل الميادين.
إذا عدنا إلى مسارك وبدايتك …نجد أن جدك هو محمد بلعربي العلوي، الملقب بـ”شيخ الإسلام”. ومن المؤكد أنه شخصية سياسية فذة تركت بصمتها في التاريخ. ما هي أبرز المواقف التي عشتها معه وتتذكرها؟ ثم ماذا تعلمت منه؟
في بداية فترة الاستقلال كنت أقطن في الدار البيضاء، وكنت أزوره برفقة والِّديَ (فهو جدي من جهة الأم وفي الوقت نفسه ابن عم والدي). وأذكر أنني ذهبت لزيارته ذات يوم رفقة والدي (رحمها لله)، وكنت حينها أبلغ من العمر 12 أو 13 عاما، وكان يسكن آنذاك بالقرب من ثانوية مولاي يوسف. كان يشغل آنذاك منصب “وزير التاج” (وزير دولة)، ووجدنا عنده مجموعة من الأشخاص يتجاذب معهم أطراف الحديث، على مائدة شاي. كان جدي يتميز دائما بالبشاشة، وهو أمر كنت ألاحظه بوضوح في كل مرة أزوره فيها. كان دائم الابتسام، ويمزح بلطف مع الأشخاص المحيطين به. كان يتسم ببساطة متناهية وتواضع خالٍ من أي استعلاء، على الرغم من كونه وزيرا وشخصية علمية وسياسية بارزة. كان شخصا قريبا من الجميع؛ إذ كان بوسع أي إنسان أن يلتقي به، ويجلس معه، ويحادثه ويمازحه دون أي حواجز. في أحد الأيام، ذهبت لزيارته في مدينة فاس، فوجدته داخل غرفة صغيرة (بنيقة) ممسكا بكتاب يقرأ فيه، وتعلو محياه ابتسامة. ما تزال صورته تلك راسخة في ذهني حتى اليوم. كان مجرد النظر إلى هيئته يترك فيك أثرا عميقا دون الحاجة إلى كلام أو إلقاء مواعظ. كانت موعظته تتجسد في سلوكه؛ يكفي أن تراقبه كيف يتعامل مع الناس لتتعلم منه الكثير. وهذه في نظري هي أفضل بيداغوجيا للتعلم؛ فالقدوة والسلوك العملي أبلغ وأكثر تأثيرا من مجرد الكلام والتوجيهات.
حاوره غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية














































