في هذا الحوار الاستثنائي، نغوص في الذاكرة الحية لواحد من أبرز رجالات الطب والتعليم والسياسة في المغرب الراهن؛ البروفيسور والوزير السابق الطيب الشكيلي .يمثل مسار ضيفنا رحلة انطلقت مبكرا بين حركة الوطنيين في مراكش، لتصل به إلى أعلى مراتب المسؤوليات الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية. يأخذنا البروفيسور الشكيلي في جولة عبر محطات فارقة من تاريخ المغرب، بدءا من كونه أول طبيب مغربي مختص في الطب النفسي العصبي، حيث قاد ثورة في المجال العقلي داخل مستشفيات المملكة. كما يكشف لنا، بصفته قياديا ”شيوعيا” سابقا في حزب التقدم والاشتراكية، كيف زاوج بين قناعاته السياسية وثقة الملك الراحل الحسن الثاني الذي كلفه بمهام دبلوماسية حساسة، وأوكل إليه هندسة مشاريع كبرى منها جامعة الأخوين. وباعتباره وزيرا أسبق للتربية الوطنية ومسؤولا جامعيا، يفتح الشكيلي علبة أسرار قطاع التعليم بكل مستوياته، متحدثا عن تداعيات برنامج التقويم الهيكلي، وعن معركته لإرساء دعائم التعليم التقني وتحديث الجامعة المغربية. هذا الحوار ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية غنية، بل هو شهادة تاريخية على التحولات السياسية، والطبية، والتعليمية والأكاديمية بالمغرب.
أهلا بك بروفيسور. لنبدأ معك من الجذور، كيف كانت نشأتك وبداياتك الأولى؟
ولدت في سنة 1939 بمدينة مراكش، داخل أسرة تنحدر أصولها من مدينة أبي الجعد. كانت أصولي الاجتماعية متواضعة، حيث كان والداي ينتميان إلى الطبقة المتوسطة من الحرفيين وصغار التجار. كان والدي بالكاد يفك الخط، بينما كانت والدتي لا تجيد القراءة لكنها تميزت بذكاء كبير وحدس وشخصية قوية. لقد نشأت في مدينة مراكش العتيقة، بالقرب من ساحة الطالعة التي كانت تعتبر سوقا قديما للعبيد، بجوار المارستان الذي كان مخصصا للرعاية في عصر الموحدين، والذي أصبح اليوم مركزا صحيا.
كانت مراكش حافلة بأنشطة الحركة الوطنية. كيف تشكل وعيك المبكر، جراء الأحداث التي كانت في مرحلة الطفولة؟
كانت ساحة الطالعة هي المكان المعتاد للمظاهرات الوطنية، خصوصا تلك التي تنظمها الحركة الوطنية خلال أعياد العرش. وكنت أرافق أخي الأكبر إليها، وغالبا ما كانت تنتهي هذه المظاهرات بتدخل قوات الأمن وضربات العصي، وهو ما أسهم في انتباهي للأحداث السياسية وقتئذ. لكن الحدث الفاصل كان في غشت ،1954 عندما أخذتني والدتي لزيارة طبيب، من جنسية هولندية يُدعى “الدكتور بيتز“ الذي كان معروفا بكفاءته. فجأة، سألني إن كنت أذهب إلى المدرسة. وقبل أن يسمع جوابي، وجه لي كلاما بنبرة صارمة قائلا: «إذا أردتم المطالبة بالاستقلال، يجب أن تبدؤوا بتكوين أطبائكم لعلاج مرضاكم، والمهندسين لبناء مدنكم وطرقكم وسدودكم، والمسيرين لإدارة مدنكم وبلدكم». في البداية، بدا لي كلامه في غير محله، وكنت أجهل تماما كيف يمكن أن تكون المدرسة قادرة على تزويد البلاد بالكوادر التي تحتاجها لنستحق استقلالنا. لكن كلامه في الواقع شكل تحديا حقيقيا انغرس في ذهني من أجل أن أسعى للتحصيل والتكوين العلمي. هكذا أصبحت المدرسة والتعليم في ذهني هما الرافعتين الرئيسيتين اللتين يتشكل من خلالها كل شيء ممكن، فأصبحا هدفي الرئيس وهاجسي الأكبر في الحياة للرد على ذلك التحدي.
حاوره غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































