يكاد جميع المغاربة يعرفون أحمد البيضاوي أو سمعوا عنه، كما يعرفون مدى إتقانه العزف على العود، لكن قليلين هم من سمعوا عن هذه القصة الصغيرة، المثيرة وغير المتوقعة، في حضرة الحسن الثاني، التي اختارتها “زمان” لتخبر القراء بتفاصيلها.
وقعت القصة في القصر الملكي بمدينة الصخيرات في أواخر ستينات القرن العشرين، حيث كان يسود جو هادئ ومهيب .وقد كان الملك الحسن الثاني، وهو عاشق لفن الطرب وعالم بأصنافه وموسيقي موهوب، معتاداً على تنظيم أمسيات موسيقية يكون فيها الطرب الشرقي حاضرا بقوة. ومن بين فنانيه المفضلين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وعدد قليل من الفنانين المحظوظين الآخرين الذين كان يتم اختيارهم وفق معايير فنية دقيقة. في ذلك المساء، استقبل الحسن الثاني ضيفًا مميزًا، أسطورة حية للأغنية العربية: محمد عبد الوهاب، الذي ما تزال أغانيه وألحانه تشنف الأسماع والمسامع. ولتكريم هذا الأستاذ العظيم القادم من الشرق، الذي كان على مشارف السبعينات من عمره آنذاك، استدعى الملك، الذي كان معجباً بموهبة الفنان المصري الاستثنائية بصفته ملحنا ومغنيا من الطراز الرفيع، اثنين من أبرز الموسيقيين في المملكة: أحمد البيضاوي عازف العود الموهوب، وصالح الشرقي أستاذ القانون. لأن الملك كان يحب الإيقاعات المغربية، ويقدر مبدعيها، وكان يسعى دائما إلى الرفع من قيمتهم أمام نظرائهم العرب والأجانب. لأن الحسن الثاني كان مدركًا للمهارة الاستثنائية لهذين الفنانين، خاطب أحمد البيضاوي بأمر ملكي: «سِي أحمد، لديك فرصة فريدة لجعل أوتارك تهتز أمام أحد أعظم ملحني العالم العربي، الأستاذ محمد عبد الوهاب. شرِّف ملكك وآلتك الموسيقية وجميع الموسيقيين المغاربة». بدون أدنى تردد، وبكل إتقان عازف متمكن من آلته الموسيقية، أطلق أحمد البيضاوي ريشته على أوتار عوده. وإلى جانبه، وقف صالح الشرقي، رفيق دربه الدائم، يراقبه بنظرة فاحصة .وبسرعة كبيرة، انفجرت أصوات النغم، وطفت التقاسيم في الهواء، وخيم صمت رهيب وسط الجمهور. ثم بدأت همسات الإعجاب تتردد، وصيحات «الله،ا لله» تتعالى في أرجاء القصر، حيث بدت نوطات أحمد البيضاوي وكأنها تهرب من الواقع، وأن القاعة، ومن فيها، دخلت في لحظة من الأبدية، حيث انسجم كل نفَس مع إيقاع اهتزازات العود .بل بدا “سي أحمد“، كما يناديه معجبوه وزملاؤه بتبجيل وتقدير، كأنه لم يعد موجودًا على الأرض .إنه يحلق بالمعنى الحرفي للكلمة في السماء. لا شك أنه منغمس في هذه النشوة الموسيقية وسحر هذه اللحظة التي اخْتِير أن يتشاركها مع الضيوف المشاهير الملكيين.
أنور صالح الشرقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 139 من مجلتكم «زمان»












































