في لحظة كانت فيها الأندلس تتهاوى تحت وطأة الانقسام وضغط الممالك المسيحية، جاء عبور المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين ليغيّر مجرى التاريخ، ويؤسس لمرحلة جديدة أعادت للمسلمين توازنهم وهيبتهم في شبه الجزيرة الإيبيرية.
في خضم الأحداث والاضطرابات التي عرفتها الأندلس بعد انهيار الخلافة الأموية بقرطبة، وما تمخض عنها من ظروف مهدت لظهور أمراء الطوائف وسيادة أجواء التفكك والفرقة، تبلورت فكرة الاستنجاد بيوسف بن تاشفين، سلطان المرابطين، بعد أن اشتدت شوكة النصارى، وصاروا يستولون على الإمارات الطائفية الواحدة تلو الأخرى، مع ما صاحب ذلك من قتل وهتك للأعراض وسبي وتدمير. وقد بدأت فكرة الاستنجاد بالمرابطين خجولة، ثم ما لبثت أن شاعت بين الناس على إثر احتلال ألفونسو السادس لطليطلة (Toledo) سنة 478هـ/ 1085م، وما نجم عنه من تنامي الشعور بالخوف والرعب، حيث اجتمع المعتمد بن عباد بقرطبة مع بعض أمراء الطوائف والفقهاء وحتى عامة الناس، وتوافقوا على طلب النصرة من المرابطين حكام المغرب. علما أن هذا القرار لم يحظ بالإجماع، بل أبدى بعض أمراء الطوائف تخوفهم من أن يكون مصيرهم مع المرابطين مشابه لمصيرهم مع ملوك النصارى، فرد عليهم المعتمد بن عباد بقولته الشهيرة: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير»، التي عبر من خلالها عن تفضيله الخضوع للمرابطين على الخضوع للقشتاليين.
لما اتخذ زعماء الأندلس قرار الاستعانة بالمرابطين، ووجهوا الدعوة للأمير يوسف بن تاشفين، دعا المعتمد بن عباد ملوك الطوائف إلى الشروع في إعداد الترتيبات اللازمة لاستقبال المرابطين. لكن الأمير المرابطي لم يتفاعل مع هذه الدعوة بشكل سريع، حتى ظن أهل الأندلس بأنه غير راغب في ركوب موج مغامرة غير مأمونة المخاطر. والثابت أن موافقة الأمير المرابطي قد أتت بعد إلحاح كبير أبداه ملوك الطوائف. كان يوسف بن تاشفين مقتنعاً في قرار نفسه بمسؤوليته الشرعية والأخلاقية عن نصرة الإسلام وحماية المسلمين بشبه جزيرة إيبيريا، وقد وجد في توالي طلبات النجدة عليه في وقت قياسي المسوغات الشرعية للتدخل في الأندلس، فلبى نداء النجدة بعد أن أعد العدة لذلك.
فائزة البوكيلي
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية














































