تكشف تجربة بني العزفي في سبتة عن نموذج سياسي استثنائي في مغرب العصر الوسيط، حيث تحولت المدينة، بفضل موقعها وثقلها الاقتصادي وشبكاتها التجارية، إلى قاعدة لإمارة محلية مارست استقلالًا فعليًا، وظلت تناور بين القوى الكبرى إلى أن أنهى المرينيون تجربتها.
لم يتشكل المجال السياسي للمغرب، خلال العصر الوسيط، فقط من إمارات سيطرت على جزء من التراب المغربي، أو دول مركزية، بل أتاح ضعف السلطة المركزية وانحسار قدرتها على التحكم في المجال، ظهور تجارب سياسية محلية، اتخذت أشكالًا مختلفة من الاستقلال، ولا سيما خلال مراحل الانتقال بين الدول. وكانت بعض المدن، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي وتركيبتها الاجتماعية، أكثر استعدادًا من غيرها لتحويل هذا الاستقلال إلى ممارسة سياسية فعلية. وتقدم سبتة في ظل بني العزفي خلال القرنين 7 و8هـ/14-13 م مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة. لا تعني أهمية تجربة العزفيين أن سبتة أصبحت مستقلة، ولا أن بني العزفي أقاموا كيانًا سياسيًا منفصلًا بصورة نهائية عن محيطه .بل أداروا دفة حكمهم في إطار علاقة متحركة مع القوى الكبرى (الموحدون ثم المرينيون في المغرب، والحفصيون في إفريقية، والنصريون في غرناطة، فضلًا عن الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية)، طبعت باعترافات وتفاهمات وتحالفات ومواجهات. ولذلك، فإن وصف تجربة العزفيين بأنها استقلال سياسي فعلي، لكنه غير مطلق، يبدو أقرب إلى طبيعة الواقع التاريخي منه إلى استقلال كامل. من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى سبتة العزفية باعتبارها إمارة–مدينة، أي سلطة سياسية اتخذت من مدينة واحدة قاعدة رئيسة لحكمها، واستمدت جزءًا مهمًا من قدرتها السياسية من موارد المدينة ومكانتها وشبكاتها، من دون أن يعني ذلك أنها كانت “مدينة–دولة“ بالمعنى الذي عرفته بعض التجارب في الضفة الشمالية للبحر المتوسط.
أحمد الصيباري
المقال الكامل من العدد 156 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية














































