على الرغم من غياب الكتابة في هذا النوع من التاريخ، أي التأريخ للوقت الحر للسلاطين، يقوم بعض الباحثين بمجهودات لسبر أغوار هذا المجال بآليات علمية متعددة. في هذا الحوار يوضح لنا السوسيولوجي المتخصص في الموضوع عبد الفتاح الزين، جوانب تاريخية متعلقة بأوقات الراحة ووقت الفراغ والعطلة والسياحة، كما تصورها وعاشها السلاطين والمجتمع.
في نظرك، لماذا تغيب الكتابة عن هذا النوع من التاريخ، أي التأريخ لوقت الراحة؟
علينا أن نعرف أولا أنه في ثقافتنا المغربية أن هناك تبخيسا للراحة والعطالة لأنها مدخل لكل انحراف؛ حيث أننا نجد أمثالا وحِكَما في ثقافتنا المغربية تمجد العمل جريا على الحديث النبوي الذي يقول “العمل عبادة“ رغم أن هناك من يشكك في صحته. ولعل المثل المغربي الدارج الذي يقول: “الخدمة مع النصارى والكَلاس خسارة” (أي عليك العمل حتى مع النصارى وألاّ تظل في عطالة). وهو مثل له دلالته من حيث قيمة العمل في ثقافتنا مقابل الاسترخاء والعطالة الذي تعني التسكع. كما أن العمل قيمة في تقوية الرابط الاجتماعي والاندماج داخل المجتمع، إلى جانب كونه نشاطا يوفر «العفاف والكفاف، والغنى عن الناس»، إضافة إلى أنه يضمن نوعا ما صحة البدن وصحة النفس لأن في “الحركة بركة“. وهكذا نجد الحكمة المغربية التي تقول: «الخدمة، إيلا ما غنات، تستر، ويمكن تزيد في العمر»، أي ما معناه: أن العمل إذا لم يحقق الثروة، قد يحقق كسب رزق يكفي المرء، ويجنبه طلب المساعدة والاستجداء مما يكفل كرامة للعامل، كما أن العمل، كنشاط جسدي وذهني، يسهم في صحة العقل والجسد إلى جانب الرفع من أمل الحياة.
أمثلة وحكمة مثل هذه تجعل الاهتمام بكل ما له علاقة بالراحة والأنشطة الترويحية والترفيهية، وكل أشكال الاستجمام ممجوجة بل ويتم التعامل معها بنوع من الريبة والغموض. هكذا نجد المواسم ومختلف الاحتفالات الشعبية أو حتى العائلية حميمية كانت أو اجتماعية تكتسي طقوسية دينية أو عقدية أو تقليدية. فليس هناك في تقاليدينا احتفالات غير طقوسية. فحتى تقليد “النزاهة“، الشائع في ثقافتنا وتقاليدنا بمختلف مناطق المغرب يأخذ طابعا طقوسيا تسنده أفكار وتصورات عقدية مرتبطة بالعمل وبالنشاط المهني. وهناك بعض النصوص الروائية ذات الطبيعة الإثنوغرافية من قبيل رواية “المعلم علي“ للمرحوم عبد الكريم غلاب أو “الطيبون“ لربيع مبارك تتناول عرضيا هذه الجوانب التي أثرتها حول البعد الطقوسي ذي الحمولة العقدية والإيمانية. ولا ننسى الإشارة إلى أن مهنيي الأنشطة الترويحية والترفيهية (الحلايقية، ومروضي الأفاعي، والشيوخ… الخ.) رغم كونهم منتظمون ضمن حنطة (أي جمعية مهنية تمثل العاملين في القطاع تجاه السلطات، وتسهر على تنظيم المهنة) مثل سائر الحناطي، فإن حنطتهم كانت تحمل اسم “حنطة أرباب الباطل“، أي مهن لا طائل من ورائها وغير شريفة أو لها مكانتها الاجتماعية ولا تعتبر مهنة كباقي المهن. بل تورد كتب التاريخ، كما في كتاب “الأغاني“، أن أرباب هذه المهنة، لم يكن يؤمن جانبهم، ولهذا كانوا لا يبيتون داخل المدينة. ويورد ليون الإفريقي (الحسن الوزّان) خلال حديثه عن فنادق فاس أن “أهل الهوى“ وهم رجال يتزينون بزي النساء، لا يمكنهم مغادرة فندق إقامتهم إلى مكان آخر إلاّ بإذن المحتسب وبمعية رقيب، وأنهم لا ارتباط لهم بالحياة المجتمعية كفئة مهمشة إلا ما كان من «واجب الترفيه على جيش السلطان عندما يحل بفاس». وهنا نلاحظ نوعا من الاعتراف –ولو في حدود– بحقوقهم ودورهم في حياة المدينة. ويورد كذلك المراكشي في “الإعلام“، الجزء 6، حادثة فرض القاضي الدويري 100 مثقال على بغايا مراكش…
وتقل الكتابة كذلك عن مثل هاته الأنشطة؟
إن الأنشطة الترويحية والوقت، موضوع يحتاج إلى التأريخ حتى يتسنى لنا الاشتغال حوله كموضوع من موضوعات السوسيولوجيا، بل وتخصصا قائم الذات يقدم لمختلف الفاعلين أفكارا قابلة للتعبئة .وأود أن أشير هنا إلى أن انعدام الدراسات عن أوقات الراحة أو الوقت الحر عموما والاهتمام بتأريخ أحداثها إلا ما كان عرضا، بل وحتى الاعتراف بأهميتها ليس عيبا في حد ذاته، وإنما هو نتاج مرحلة من تاريخ المجتمع المغربي ما قبل الاستقلال. غير أنه منذ فترة الحماية، عرف الوقت الحر تطورا مهما، لدرجة أنه لأول مرة في تاريخنا المغربي وتحت الحماية، بدأ الحديث عن وقت عمل محدد (انظر قانون الشغل على علاته والذي صدر خلال فترة الحماية) مع وقت راحة أو وقت حر يومي وأسبوعي وسنوي. وهذان الوقتان: وقت العمل ووقت التوقف عن العمل، محددان ومؤطران وفق قوانين تنظيمية. غير أن القانون شيء، والذهنية شيء آخر. فالذهنية التقليدية لم تتحرر بعد من مقولة «حتى تشبع الكرش، عاد تقول للراس غنّي»، أي أنه قبل الاستمتاع والتعاطي لأنشطة ترويحية والاستجمام، علينا أن نلبي الحاجات الحيوية للجسم، وكأن الإنسان جهاز هضمي لا كائنا عاقلا بل وحتى كائنا لاعبا (Homo ludens)، كما أوضح عدد من السوسيولوجيين والأنثربولوجيين الغربيين. فالترويح أو اللعب واقعة اجتماعية شاملة تمس كل جوانب الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية… إلخ. نقطة أخيرة، بشكل سريع، هو أننا لم نطور التفكير في هذا الوقت الحر والأنشطة الترويحية وفق سياسات عمومية واضحة؛ حيث بقي نص المرحوم علال الفاسي “أوقات الفراغ“ ضمن مؤلفه “النقد الذاتي“ يتيما. فليس هناك تنصيص في السياسات العمومية عن “الوقت الحر“ كحق من الحقوق الإنسانية التي تعمل البرامج الحكومية على توفيرها كخدمة عمومية مكفولة لكل شرائح المجتمع؛ إذ ما زالت الطقوسية سائدة مع سياحة هجينة تقدم للمغاربة مقارنة مع السياح الأجانب. كما أن هذا التراث لم يتم الاستثمار فيه بما يجعله مستجيبا لانتظارات الأجيال المعاصرة ومواطني مغرب اليوم. فما زالت هناك توترات إيديوثقافية وضعف سياسي في مواكبة التطور الحاصل في مجال الأنشطة الترويحية والاستجمام. نشير هنا للتوترات السوسيوثقافية عن الشاطئ وقضايا الاختلاط الاجتماعي، وكذا التوترات عن بعض المواسم أو المهرجانات.
حاوره غسان الكشوري
تتمة المقال تجدونها في العدد 141 من مجلتكم «زمان»












































