شكّلت جائحة الجراد ظاهرة بنيوية في تاريخ المغرب، إذ تكررت موجاتها عبر العصور مخلفة أزمات اقتصادية ومجاعات وتحولات اجتماعية عميقة، كما أبرزت حدود تدخل المخزن وطرائق تكيّف المجتمع مع هذه الآفة بين المواجهة والاضطرار.
تسعى هذه الدراسة إلى محاولة الإحاطة ببعض جوانب جائحة الجراد في تاريخ المغرب، اعتماداً على معطيات رهينة بطبيعة المصادر وانتقائيتها؛ إذ أن وفرة الأخبار عن الجراد أو قلتها، لا تعكس حجم الظاهرة في الواقع بقدر ما تعكس درجة اهتمام المؤرخين بها. ومن ثَمّ، فإن غياب الإشارات إلى الجراد خلال فترات معينة، كما هو الحال بين 1228م و1277م، لا يعني بالضرورة انتفاءه، بل قد يدل على انصراف أصحاب المصادر إلى أحداث أكثر أهمية غطت على غزو الجراد، أو أن انتشار الجائحة المحدود جغرافيا لم يلفت انتباههم. واعتبارا للامتداد الزمني الطويل جدا للموضوع، سيتم اعتماد مقاربة تمثيلية تستحضر نماذج دالة من غزو الجراد وفق موضوعات الدراسة، مع الحرص على احترام التسلسل الكرونولوجي في عرض الظاهرة لتلمس الثابت من المتغير. يمكن القول، دون مواربة، بأن الجراد يعد من الظواهر الطبيعية المتكررة في تاريخ المغرب، إلى درجة إمكانية اعتباره من المعطيات البنيوية في هذا التاريخ، حيث عرف المغرب، منذ العصور القديمة وإلى الحقبة المعاصرة، موجات متعددة من اجتياحه. يمكن استهلال الحديث عن مضاعفات غزو الجراد بالعودة إلى دلالة اسمه، إذ يحيل لفظ “الجراد“ إلى معاني الجرد والقضم والإتلاف؛ فهو “يجرد“ الأرض، أي يأتي على ما عليها من نبات وأشجار. ومن ثمّ، فإن مجرد حضوره في المخيال والواقع معاً يقترن بفكرة الخراب الشامل. تختلف مضاعفات اجتياحات الجراد من حيث المجال والمدة الزمنية والتوقيت؛ إذ يتوجب التمييز بين نوعين من هجومات الجراد، هجومات شاملة تعمّ مختلف أرجاء المغرب مثل ما حدث في سنوات 987م و989م و1228م و1866م، وأخرى جزئية تقتصر على بعض الجهات دون غيرها مثل ما وقع سنة .1871 ويظل النموذج الأول أشد قسوة وأعمق أثراً، لما يخلّفه من دمار واسع النطاق، إذ يُفضي إلى أزمات عامة، ويبقى النموذج الثاني قاسيا في الجهة التي شملها.
محمد ياسر الهلالي
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































