يشكل الإعلام جزءا من ذاكرة المجتمعات، ليس فقط بما يحفظه من صور وأصوات وأحداث، ولكن أيضا بما يعكسه من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية .فتاريخ الإذاعة والتلفزيون هو، في جانب منه، تاريخ لتغير علاقة الدولة بالمجتمع، ولهوامش التعبير التي اتسعت في مراحل وضاقت في أخرى، ولتحولات المهنة وأدوارها وموقعها في النقاش العمومي .وإلى جانب ما تحفظه الأرشيفات والوثائق، تظل شهادات الذين عاشوا هذه التحولات من داخل المؤسسات مصدرا مهما لفهم تفاصيلها، واستعادة جوانب منها قد لا تظهر في التاريخ الرسمي للإعلام. في هذا الحوار، تعود الإعلامية التلفزيونية فاطمة الإفريقي إلى طفولتها ونشأتها في الرباط، وإلى سنوات الدراسة وبدايات علاقتها بالصحافة، قبل التحاقها بالتلفزيون مطلع التسعينيات وتجربتها في تقديم البرامج الفنية والثقافية…
لننطلق من البداية، كيف كانت الولادة والنشأة؟
ولدت بالرباط في شتاء سنة ،1967 كنت الابنة الأولى المنتظرة والمرغوب فيها بشدة لأبي، الذي اختار الزواج بامرأة ثانية من أجل الإنجاب، دون أن ينفصل عن زوجته الأولى العاقر، والتي توافق معها على السماح له بالزواج مقابل إهدائها مولوده الأول لتربيه. وكنت أنا تلك الهدية، حيث تربيت في بيئة متسامحة مع التعدد، وفي جو أسري تتنافس فيه أُمَّان على العناية بي: أم ربتني بحب تَمَلُّكي كبير، وأم ولدتني واضطرت إلى إزالتي من صدرها لتمنحني لضرتها، وظلت ترعاني بحنانها من بعيد. كان أبي موظفا في الشرطة منذ بداية الاستقلال، وكان منخرطا في حركة المقاومة في شبابه بعد أن هاجر وهو مراهق يتيم من البادية بقلعة السراغنة إلى الرباط، وما تزال ذاكرتي تحفظ حكاياته عن تلك الفترة الصعبة، وعن تجربته في سجون المستعمر، وعن معاناة أمي (الزوجة الأولى) من أجل السفر إلى زيارته في السجن الفلاحي بالجديدة.
وأين درست؟ وكيف كانت سنوات الدراسة؟
ككل أبناء جيلي وطبقتي الاجتماعية في حي يعقوب المنصور بالرباط، درست في المدرسة العمومية، وأتذكر بأنه في مدرستي الابتدائية “المغرب العربي“ كان هناك مطعم يقدم للتلاميذ أكلا بالمجان، كما كنا نستفيد من فحص طبي موسمي، وأتذكر في السياق نفسه بأنه كنا نتلقى العلاج في مستوصف الحي، ويقدم لنا الدواء (الأسبرين، والبنسيلين) مجانا، وكنت أحيانا أرافق أمي إلى المستوصف بعد ولادة إخوتي في بداية السبعينيات حيث كانوا يقدمون للنساء المرضعات وللرضع أكلا صحيا خاصا، وكنت أرافقها طمعا في تذوق التفاح المطبوخ وشربة الخضر. تصور، أنه في مغرب بداية السبعينيات كانت في الرباط هذه الخدمة العمومية في رعاية الأطفال وفي الصحة والتعليم في الأحياء الشعبية. الخدمات التي اختفت مع بداية الثمانينيات وسياسة التقويم الهيكلي. بعد حصولي على الشهادة الابتدائية، انتقلت إلى إعدادية أبي الحسن المريني ثم ثانوية حليمة السعدية في بداية الثمانينيات، وعشت أحداث انتفاضة 1984 وأنا في السنة الأولى ثانوي، وكنا خلالها نقاطع الدراسة، ونحتج في ساحة الثانوية بشعارات قوية ولو لم نكن نمتلك الوعي السياسي الكافي، وحين تدخل قوات الأمن إلى الثانوية كنا نلوذ بالفرار. حصلت على البكالوريا في عام 1986 في الآداب والعلوم الإنسانية، وبعدها التحقت بالمعهد العالي للصحافة (معهد الإعلام والاتصال) حاليا.
حاورها محمد عبد الوهاب رفيقي
الحوار الكامل من العدد 156 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































