لم يكن ظهور المجموعات الغنائية في المغرب خلال سبعينيات القرن الماضي مجرد تحول في الذوق الموسيقي، بل كان تعبيرا عن لحظة ثقافية جديدة خرجت فيها الأغنية من القوالب التي استقرت عليها لعقود، لتقترب أكثر من لغة الشارع، ومن المسرح، ومن التراث الشعبي، ومن أسئلة جيل كان يبحث عن صوته الخاص. وفي قلب هذه اللحظة، ولدت مجموعة ”ناس الغيوان”، التي سرعان ما تجاوزت حدود النجاح الفني، لتصبح واحدة من أكثر التجارب حضوراً في تاريخ الأغنية المغربية، وأكثرها ارتباطاً بمرحلة ما تزال تستدعي كثيراً من الأسئلة.
في هذا الحوار، يعود عمر السيد إلى تلك السنوات كما عاشها من الداخل.
يصعب الحديث عن “ناس الغيوان” من دون العودة إلى الحي المحمدي. ماذا كان يميز ذلك الحي في سنوات طفولتكم؟
نعم أنا ولدت بالحي المحمدي وبدرب مولاي الشريف بالضبط. الحي المحمدي كان عالماً مصغراً للمغرب، استقرت فيه أسر قدمت من مناطق مختلفة للعمل في المعامل المحيطة بالدار البيضاء، وحملت كل أسرة معها لهجتها وإيقاعاتها وعاداتها وأغانيها .كنا نعيش وسط هذا التنوع من غير أن نفكر فيه باعتباره تكوينا فنيا. في الشارع، نسمع العيطة وأغاني هوارة وكناوة. وفي الأعراس والمناسبات، نرى الحلقة والفرجة الشعبية، ونسمع الأمثال والحكايات والكلام الموزون. كان يوم الأحد على الخصوص موعداً تلتقي فيه أصوات مختلفة .كنا نتابع الرجال وهم يغنون ويرقصون، ونحفظ ما يقال في البيت والشارع. لم ندخل معاهد موسيقية، ولذلك قلت إننا تعلمنا في “مدرسة الحياة“. ما ظهر بعد ذلك في أغاني ناس الغيوان كان قد استقر في ذاكرتنا منذ الطفولة.
هل كانت المدرسة النظامية أقل حضوراً في حياتكم من دار الشباب؟
كنا نحب دار الشباب والمسرح والموسيقى أكثر من المدرسة. غادر عدد منا الدراسة مبكراً، لكننا لم نتوقف عن التعلم. كنا نتعلم من كبار الحي، ومن الفنانين الشعبيين، ومن المسرح، ومن الاحتكاك بالناس. دار الشباب أتاحت لنا أن نجرب ونخطئ، وأن نقف أمام جمهور للمرة الأولى. كانت تجمعنا الصداقة والجوار، ثم بدأ يجمعنا المسرح. لم يكن أحد منا يتوقع أن تتحول هذه اللقاءات إلى تجربة ستستمر أكثر من نصف قرن. كنا شباباً نبحث عن فضاء نعبر فيه عن أنفسنا.
حاوره محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































