قبل أن تكون المائدة فضاءً للطعام، كانت وسيلة لبناء السلطة، وتوثيق التحالفات، وترسيخ السلطة، وجمع القبائل والمريدين حول مشروع سياسي أو ديني .من ”الأسمّاس “الموحدي إلى موائد الزوايا والمولد النبوي، نسج الطعام روابط صنعت المجتمع والدولة.
لم تكن المائدة في تاريخ المغرب مجرد موضع للطعام، بل فضاءً تُعقد حوله التحالفات، وتُعلن فيه المصالحات، وتُرسم داخله مراتب الجماعة .استعملها الموحدون لتثبيت العهود وربط القبائل بالدولة، وجعلت منها الزوايا وسيلة لجمع المريدين والفقراء والمسافرين، بينما منحت مناسبات مثل المولد الطعام وظيفة تتجاوز الضيافة إلى ترسيخ الاحتفال وتوسيعه. فكيف تحول “الأسمّاس“ من عرف مصمودي إلى جزء من طقوس الحكم الموحدي؟ وكيف بنت الزوايا جانباً من نفوذها حول الإطعام؟ ثم كيف أسهمت مائدة المولد في جمع الناس حول ذكرى دينية اكتسبت مع الزمن أبعاداً سياسية واجتماعية وروحية؟
لم تحمل الدولة الموحدية إلى المغرب والأندلس مشروعا دينيا وسياسيا فحسب، بل حملت معها جانبا من أعراف المجتمع المصمودي الذي خرجت منه .فقد كانت قبائل جبال دَرْنْ “الأطلس الكبير“ تعقد أحلافها، وتقر مصاهراتها، وتسوي خصوماتها داخل مجالس الجماعة، وكانت الوليمة تتمم ما ينتهي إليه المجتمعون، وتعلن قيام رابطة جديدة بينهم. وحين شرع الموحدون في بناء دولتهم، احتفظوا ببعض هذه الطقوس وأدخلوها في نظام الحكم. وكان ّالأسمّاس“ أبرز تلك الولائم، إذ رافق الدعوة منذ بداياتها، ثم حضر كلما أعيد ترتيب العلاقة بين القبيلة والدولة، أو بين الخليفة ورجاله. لم تحفظ النصوص وصفة دقيقة للأسمّاس، وهو ما دفع مهدي غويرغات، في دراسته “الأسماس: الطبق الرمزي للموحدين“، إلى مناقشة أكثر من احتمال. فقد يكون طعامًا من الحبوب يطهى في إناء كبير، أو اسما قديما للكسكس أو للوعاء الذي يعد فيه، كما يحتمل أن يكون ضربا من السويق المصنوع من الدقيق المحمص والممزوج بالسمن أو الزبدة.
محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 154/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































