في لحظات فارقة، وفي زمن الاحتكاك بالتقلبات الفكرية والنهضوية، وجد الوطنيون المغاربة أنفسهم بين ضرورة الانفتاح والتجديد وبين مقاومة الاحتلال بالوسائل التقليدية .لهذا نطرح السؤال الآتي: هل تبنى المغاربة العلمانية ووظفوها في نضالهم؟ وهل تعارضت مع أفكارهم الدينية؟
شكلت مرحلة الحماية الفرنسية على المغرب منعطفا في بعض بنياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية .وفي قلب هذا التحول، برزت الحركة الوطنية المغربية كفاعل أساسي لم يقتصر دوره على المطالبة بالاستقلال، بل امتد ليعيد صياغة مفاهيم دينية: الأمة، والشرعية، والهوية الإسلامية. وقد وجد الوطنيون أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة آلة استعمارية تسعى لطمس الهوية وتقسيم المجتمع، ومحاولة الانفتاح على الحداثة السياسية والمؤسساتية لبناء دولة قادرة على الصمود .وفي خضم هذا التحدي، برزت جدلية الدين والحداثة، والدين والعلمانية، والفصل بين الديني والسياسي.. تجدر الإشارة إلى أن الدراسات التاريخية، التي تناولت موضوع العلمانية في الفكر الوطني بشكل مباشر، تكاد تندر، باستثناء بعض الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجيا السياسية التي ركزت اهتمامها على الإطار الديني والسياسي الذي تحكّم في سير الأحداث. لذا، سنعتمد على تحليلات قدمها باحثون تناولوا المسألة الدينية من منظور سوسيو–تاريخي. إن الحديث عن تبني العلمانية في فكر الحركة الوطنية، خلال نشأتها، يدفعنا للنظر في وضع النخبة الوطنية والثقافية في بداية القرن العشرين؛ وبالتحديد نظرتها نحو الحداثة والتحديث في شتى الميادين، ومن أهمها المجالات السياسية والتعليمية والفكرية.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عرف المغرب أزمة إصلاح واسعة، تجلت في اصطدام نخبة تعليمية سافرت إلى أوروبا من أجل تلقي أهم العلوم، مع نخبة تقليدية يسيطر عليها الفقه والوازع الديني المتشدد. فقد كان السلطان الحسن الأول يروم تبني إصلاحات واسعة وشاملة، فابتعث نخبة من الطلبة للاطلاع على النموذج الأوروبي الذي كان قد دشن وقتئذٍ طريقه نحو الحداثة والتحديث، وفصل بين الشأن الديني والسياسي في الحكم. لكن عودتهم منيت بالفشل بعدما رفضت النخبة المخزنية إدراجهم في تدبير شؤون البلاد زمن حكم السلطان مولاي عبد العزيز. لهذا يعتبر المؤرخون أن تلك اللحظة إحدى الفرص الضائعة التي كادت تضع المغرب في مسار التحديث المبكر.
غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































