كيف تشكّل مفهوم البيعة في التجربة المغربية حتى غدا أساس الشرعية السياسية؟ وكيف استطاعت الصحراء أن تحفظ هذا النموذج في توازنٍ دقيق بين الولاء والسيادة؟ ثم كيف تحوّل الموروث التاريخي إلى فعلٍ حديث جمع بين الذاكرة الوطنية ومطلب الوحدة؟
شكل مفهوم البيعة في تاريخ الدولة المغربية بعد دخول الإسلام أصلا للشرعية ورابطا لقيام الوحدة بين الحاكم والرعية، بجمعه بين العقيدة والسياسة والدين والدولة. فلم تكن البيعة طقسا دينيا فحسب، بل عقدا يعبّر عن رضا الجماعة، ويمنح الحكم معناه داخل المجتمع .ومن خلالها، تشكّل المخزن بصفته نمطا مغربيا في إدارة السلطة، يوازن بين مركز يحفظ السيادة وأطراف تصون الولاء، وتستند إلى العهد أكثر مما تستند إلى الإكراه. ومع اتساع المجال المغربي وتنوّع مكوّناته، وجدت هذه الصيغة مجالها الأرحب في الصحراء، حيث مارس المخزن حضوره من خلال الزوايا وشيوخ القبائل، فحوّل الوساطة إلى نظام حكم، والعهد إلى أداة سيادة .ولذلك، يوم طرح النزاع حول الصحراء المغربية في سياق دولي مضطرب، لم يكن المغرب في حاجة إلى اختراع شرعية جديدة، بل إلى استحضار ذاكرته الطويلة في بناء الولاء، فكانت المسيرة الخضراء امتدادا لذلك الإرث، حين خرج المغاربة ليجددوا بالخطى ما جدّده الأسلاف بالعهد، وليحوّلوا البيعة من وثيقة محفوظة إلى فعل وطني أعاد توحيد الأرض بالرمز والتاريخ. انبنت علاقة الدولة المركزية المغربية بالمجال الصحراوي، عبر المراحل المتعاقبة من الموحدين إلى العلويين، على تدرج في النفوذ لا على بسط مطلق للسلطة، فكلما ابتعد المركز عن الأطراف، اتخذ الحكم صيغا تقوم على التفاهم والعهد أكثر مما تقوم على الرقابة المباشرة .ففي هذا المجال الفسيح، حيث تتقاطع القوافل بالزوايا، وتتشابك المصالح القبلية بالولاءات الدينية، لم يكن حضور السلطان عسكريا بقدر ما كان معنويا، تعيد إنتاجه المراسلات والوفود ومواسم البيعة. ومن خلال هذا التوازن بين الرمز والعرف، نشأ نظام يضمن للدولة استمرارية حضورها الرمزي، ويبقي للقبائل استقلالها في تدبير شؤونها اليومية ضمن الانتماء العام للكيان المغربي.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 145 من مجلتكم «زمان»












































