لا تُعتبر المساجد مجرد بناءات معمارية، تتنوع حسب أحجامها أو أشكالها الجمالية من الداخل أو الخارج، بل إنها صروح تعكس تاريخا يمتزج فيه الديني بالسياسي والهوياتي أيضا .في هذا الحوار يوضح لنا الباحث المتخصص في علم الآثار ، أحمد الطاهري، حفريات وتاريخ المساجد المغربية وخصوصيتها بإزاء مساجد العالم، كما يدقق في تفاصيل غنية منذ أولى المساجد إلى غاية لحظتنا الراهنة، بكل ما تجسده من تاريخ اجتماعي وسياسي.
من خلال الأبحاث الأركيولوجية وآخر الدراسات في هذا المجال، هل استطعنا تحديد أول مسجد بني في المغرب؟
للإجابة عن هذا السؤال، لابد من التطرق إلى السياق التاريخي العام المميز للفترة الأولى لانتشار الإسلام في المغرب. ففي سنة 681 ميلادية، وفد عقبة بن نافع الفهري على المنطقة بهدف نشر الإسلام وتوسيع الإمبراطورية الأموية. انطلاقا من هذا التاريخ إلى أن تشكلت أولى الإمارات، مثل إمارة الأدارسة بفاس وإمارة بني صالح بمدينة نكور قرب الحسيمة وإمارة بني مدرار بمدينة سجلماسة، شهد المغرب تشييد عدد من المساجد التي وردت بخصوصها بعض الإشارات في المصادر التاريخية، من بينها مسجد ماسة شمال تزنيت، ومسجد “أغمات أيلان“ الذي يرجع تاريخ بنائه حسب ما أورده أبو علي المصمودي في مؤلفه “تاريخ القبلة“ إلى سنة
699-700 ميلادية، ومسجد شاكر، أحد أصحاب عقبة الذي استقر بقبيلة أحمر الحالية، والذي ينسب إليه مسجد بقرية سيدي الشيكر، حيث ما زال ضريحه قائما بجوار مسجد جامع أعيد بناؤه من قبل السلطان العلوي سيدي محمد بن عبدا لله.
بالإضافة إلى هذه المساجد الأولى المرتبطة بفترة الفتح الإسلامي، أوردت المصادر التاريخية المختلفة إشارات تخص تأسيس مساجد بعدد من المدن الوسيطية بدءا من النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، من بينها مسجد مدينة البصرة (غرب وزان)، ومسجد مدينة نكور التي تغطي أطلالها مياه سد عبد الكريم الخطابي بالقرب من مدينة الحسيمة، ومسجد “أغمات أوريكة“ الذي عرف، حسب قول بعض المؤرخين، تحت تسمية “مسجد الفيل“، ومسجد بني مدرار الذي شيد من قبل اليسع سنة 814 ميلادية بمدينة سجلماسة. ومن مساجد هاته الحقبة التي نتوفر على معطيات أكثر بخصوصها تلك التي شيدت بفاس من قبل الأدارسة. فإذا كان المسجدان الأولان، وهما مسجد الأشياخ بعدوة الأندلس ومسجد الشرفاء بعدوة القرويين قد اندرسا وحلت محلهما منشآت أخرى مثل ضريح مولاي إدريس ومسجده، فإن جامعي القرويين والأندلس، المشيدين حسب الروايات التاريخية المختلفة سنة 245 هجرية/ 859 ميلادية، يشكلان، بالرغم مما لحقهما من توسيعات وإصلاحات، أقدم المساجد التي تعود للفترات الأولى للمغرب الإسلامي، والتي ما زالت قائمة لحد الآن. أثريا، لم تتمكن الأبحاث التي أجريت في عدد من المدن المندرسة، مثل نكور التي شكلت موضوع استبارات أثرية خلال سنة 1996 أو أغمات أوريكة التي تجرى بها تنقيبات منذ سنة 2004، أو سجلماسة، سواء خلال الحفريات التي أجريت بها سنة 1996 أو تلك التي شهدتها خلال سنتي 2024 و2025 من التوصل إلا إلى معطيات جزئية حول بقايا أثرية تعود لمساجد بهذه المواقع الأثرية، من أبرزها بنيات تعود لمسجد سجلماسة خلال مرحلة تشييده من قبل بني مدرار سنة 814، وأخرى تعود لمسجد متواضع مكون من بلاطة واحدة بموقع نكور يرجح أنه يعود إلى منتصف القرن 9 الميلادي.
على أي أساس يرتكز الباحث من أجل تصنيف الآثار المكتشفة على أنها تمثل بقايا مسجد؟
إن الجزم بأن البقايا المكتشفة أثناء الحفريات تعود لمسجد ما لا يمكن أن يتم إلا في الحالات الآتية:
الحالة الأولى هي الكشف عن البناية بأكملها بمحرابها وسكة منبرها وصومعتها وقاعة الصلاة والصحن ، وهي من أصعب الحالات نظرا لمساحات المساجد، وما يتطلبه البحث من وقت ومجهودات وإمكانات مادية وبشرية.
الحالة الثانية هي العثور أثناء الحفريات على نقيشة أو نقائش تاريخية محفوظة في موضعها تتحدث بشكل صريح على أن الأمر يتعلق بتأسيس مسجد إضافة إلى تاريخ التأسيس وراعي البناء من سلطان أو عامل وغيره كتلك النقائش التي ما زالت قائمة تزين أماكن عدة من جامع القرويين، أو تلك النقيشة التاريخية التي تتحدث عنها الباحثة جودية حصار بنسليمان بخصوص تأسيس المسجد الأعظم بسلا.
الحالة الثالثة، هي التي يتم الكشف فيها عن أحد العناصر المميزة للمساجد دون غيرها من البنايات مثل سكة المنبر أو المحراب أو الصومعة. هذه العناصر الثلاث تحيل مباشرة على المساجد، ويمكن أخذ العنصرين الأخيرين بعين الاعتبار ، أي المحراب والصومعة اللذان قد يتواجدان أيضا في أمكنة تجمع بين الصلاة وطقوس تعبدية أخرى كما هو الحال في بعض المدارس مثل مدرسة الصفارين ومدرسة العطارين بفاس ومدرسة شالة بالرباط التي زودت كل واحدة منها بصومعة للنداء إلى الصلاة، أو بعض الزوايا التي نجد من بين مكوناتها فضاء للصلاة مزود بحنية للمحراب.
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































