شهد المغرب بعد حصوله على الاستقلال، تحديات على عدة مستويات، أهمها الجانب الأمني، من بينها إحداث مؤسسات تحفظ استقرار البلاد والعباد، من قبيل أجهزة وزارة الداخلية. في هذا الحوار، يوضح لنا الباحث المتخصص، إحسان الحافظي، أبرز التحولات التي طرأت على المستوى السياسي والتشريعي للسياسة الأمنية ولوزارة الداخلية، والأدوار المنوطة بها، في ظل ثلاثة ملوك.
هل يمكن أن تحدثنا عن المخاضات الأولى لتأسيس وزارة الداخلية في السنوات الأولى من استقلال المغرب؟ وكذلك المهام التي اضطلعت بها في المجالين الحضري والقروي؟
طالما شكلت وزارة الداخلية تمثلا رمزيا ومؤسسيا لممارسة السلطة في المغرب، وإن اختلفت التوصيفات أو البنيات التي حكمت هذا الجهاز قبل الاستقلال وبعده، فقد حافظت دائما على موروثها وطقوسها ووظيفتها في حفظ الاستقرار وضبط المجال الترابي (الحضري والقروي)، عبر أدوات وقنوات تصب كلها في صالح استمرارية نفوذ الدولة المركزية وتمدده .في السنوات الأولى لاستقلال المغرب، تشكلت اللحظة التأسيسية الأولى، غير أن هذه المرحلة اتسمت بحالة من التنازع بين الإداري والسياسي، وكان لـ“تحزيب“ وزارة الداخلية تداعيات تعدت مجال السلطة إلى مجال السياسة. يمكن هنا أن نستحضر الرسائل والمواقف التي اتهمت “الداخلية الحزبية“ نهاية الخمسينيات بممارسة الاضطهاد السياسي لصالح طرف حزبي ضد آخر. هذا التنازع انتهى إلى لحظة تأسيسية ثانية في مسار وزارة الداخلية، يمكن أن نطلق عليها لحظة الانتقال من “الداخلية الحزبية“ إلى “الداخلية السيادية“ أو ما سمي بوزارة السيادة، ومعه بدأ تضخيم وظائف هذا القطاع الوزاري، وتوسع نفوذه السلطوي والانتخابي والترابي في المجالين الحضري والقروي، حيث أصبح رجال السلطة، بمختلف فئاتهم، يمارسون نفوذا قويا مصدره قوة وزارة الداخلية نفسها. لقد أسهمت تحولات كثيرة في حالة التضخم هذه، يمكن إيجازها في ثلاثة عوامل رئيسة: أولا، الصراع حول السلطة التي تفجر بعد الاستقلال بين الأحزاب الوطنية والمؤسسة الملكية وما تبعه من تجاذب حول المشروعية السياسية بين الطرفين. ثانيا، تحول وزارة الداخلية من إدارة الدولة (الإدارة الترابية) إلى إدارة الأزمة، حيث برزت بصفتها فاعلا أساس في تدبير الأزمات التي عاشتها المملكة جراء أحداث اجتماعية وانتفاضات شعبية سواء تلك التي حركتها الظروف الاقتصادية، أو التي ارتبطت بمواقف سياسية تحولت إلى اضطرابات ومواجهات في المدن الكبرى والجبال. العامل الثالث، يرتبط بدور وزارة الداخلية في صناعة النخب السياسية والاقتصادية في البلاد، عبر خلق الأحزاب واستمالة الأعيان وتوجيه النخب الاقتصادية الناشئة آنذاك نحو الاندماج أكثر في مراكز إنتاج القرار الاقتصادي، إن في الهيئات المهنية أو في البرلمان أو من خلال حماية المستفيدين من “الريع“ وتأمين إعادة توزيعه في دورة إنتاج الثروة.
نتج عن هذه التحولات الكبرى نفوذ مجالي شجع وزارة الداخلية على التدرج نحو صلاحيات أوسع لرجال السلطة، حيث تقوت مكانتهم قانونيا بصفتهم ممثلين لجلالة الملك، ولازم تعيينهم طقوس وتقاليد مخزنية كرست وضعيتهم كامتداد للدولة المركزية .لقد لاحظ “جون واتربوري“ في اشتغاله على الملكية والنخبة السياسية أن اختصاصات وزارة الداخلية لم تتوقف عن التوسع، ورجح غياب قطاع لا تتدخل فيه ولو بصفة استشارية، وذهب إلى القول إن الملك، الذي جعل من هذه الوزارة أداة نشاطه المفضلة، تجنب عن وعي وإرادة تحديد اختصاصاتها ليكيفها كما يشاء.
كيف يمكن أن نتحدث عن سياسة أمنية في المراحل الأولى من الاستقلال؟ وهل كانت الأوضاع السياسية والتشريعية تسمح بذلك؟
لا شك أن السياق السياسي اضطلع بدور في طبيعة السياسة الأمنية خلال المراحل الأولى للاستقلال، فالكثير من القرارات الأمنية كانت أجوبة عن أوضاع سياسية بالأساس، فتأثرت عملية التشريع والتأطير القانوني لهذه السياسات الأمنية بالوضع السياسي العام آنذاك .لقد تميزت هذه المرحلة بالنزوع السلطوي للدولة في تشكيل المؤسسات الأمنية، فجاءت التشريعات متجاوبة مع هذا التوجه، وإن غلب عليها طابع التشريع الملكي في ظل غياب وثيقة مرجعية، أي دستور .1962 تطرح هذه المسألة ملاحظتين: الأولى كون أغلب المؤسسات الأمنية والعسكرية في المغرب تأسست خلال سنوات 1956 و1959، أي قبل وجود دستور للبلاد. والثانية كون التشريع خلال هذه الفترة بالذات كان يغلب عليه روح ليبرالية فرضتها الاختيارات السياسية للدولة، في وقت وفي محيط كانت بعض الأنظمة السياسية تتجه نحو العسكرة وتحويل حركات التحرر إلى تنظيمات عسكرية مهمتها إعادة بناء النظام السياسي وليس الدولة.
لم يدم هذا المسار طويلا بسبب تصعيد الصراع حول نموذج الحكم، فتحول إلى صراع حول السلطة. بعدها بدأ توظيف قطاع الأمن بشكل مكثف وفقا لمقاربة زجرية تجلت في كثرة الاعتقالات وحالات الاختفاء القسري وإحداث سجون غير نظامية، وعقد محاكمات مدنية وعسكرية غير عادلة وفق التقارير الحقوقية الرسمية. عمليا، انعكست هذه الوضعية التي عاشها المغرب على مضمون التشريعات الأمنية برمتها، فتقوت الأجهزة الأمنية وتوسعت دائرة نفوذها. في هذه المرحلة من بداية السبعينات، سيتم تشكيل جهازين للمخابرات، وقرر الملك الراحل حذف وزارة الدفاع الوطني.
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 144 من مجلتكم «زمان»












































