كيف ورد النفي بالمغرب في النص المؤسس والممارسة الإسلامية الأولى؟ وكيف أعاد الفقه المالكي ضبطه ضمن التعزير وصلاحيات الإمام؟ وكيف تغيّرت وظيفته في تاريخ المغرب باختلاف الدولة وتوازناتها؟
لم تقم المجتمعات التقليدية، بما فيها المجتمعات المسلمة، على الفرد بوصفه وحدة مستقلة، بل على جماعات تنظم الروابط وتضبط التوازنات وتحدد مكانة الأفراد داخلها. وضمن هذا النمط من التنظيم، لم يكن النفي مجرد إبعاد مكاني، بل آلية لضبط التوتر الداخلي ومنع الخلاف من التحول إلى صدام، بما يحفظ تماسك الجماعة واستمرار توازنها. ومع تطور أشكال السلطة في الغرب الإسلامي، تغيّرت وظائف النفي باختلاف السياقات، إذ أعاد الفقه المالكي تعريف موقعه ضمن التعزير وصلاحيات الإمام، قبل أن تتخذه الدولة أداة لتنظيم علاقتها بالقبائل والزوايا في عصور متعددة، ثم تعيد سلطات الحماية الفرنسية توظيفه لعزل الشخصيات المؤثرة، إلى أن ينحصر حضوره بعد الاستقلال في حالات سياسية محددة. تظهر النصوص التأسيسية في الإسلام أن النفي لم يكن عقوبة عرضية، بل آلية من آليات النظام العقابي الذي جمع بين الردع والإصلاح .فقد ورد في القرآن الكريم مقرونًا بأشدّ العقوبات الموجهة إلى المفسدين والمحاربين ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾) المائدة، (35، وقد فَسّر المفسرون هذا النفي على وجهين: فبعضهم كابن عباس ومجاهد، رأى فيه إبعادا مادّيا عن موطن الجريمة، وعقوبة بدنية تحفظ الأمن العام، فيما اعتبره آخرون، مثل الطبري والقرطبي، إقصاء اجتماعيا يجرد المجرم من حماية الجماعة ويخرجه من نسقها. وهكذا نشأ للنفي بعدان متكاملان: بعد جغرافي مادي، وبعد رمزي قيمي، جعل منه عقوبة تتجاوز الجسد إلى المجال الاجتماعي والسياسي.
كما ورد في الحديث النبوي مبدأ التغريب الذي يمثل الصورة الأوضح للنفي الشرعي، «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، فقد جعل النبي التغريب عاما كاملا في حق الزاني البكر، أي نفيه عن موطنه سنة كاملة، ورغم أن أغلب الفقهاء يذهبون إلى أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد، إلا أن دلالته لم تحصر فيما بعد في الزنا وحده، بل تطورت إلى قاعدة فقهية تجيز للإمام أن يغرب أو يبعد من يرى في وجوده فتنة أو تهديدا للأمن العام.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 146 من مجلتكم «زمان»












































