عمل المرينيون على بناء الدولة المركزية بالمغرب الوسيط، من خلال ضبط المجال، وتدبير التفاوت بين المركز والأطراف، وإعادة إنتاج المشروعية السياسية في سياق إقليمي متحوّل.
من المعروف أن التجربة المرينية في تاريخ الدولة بالمغرب لا تمثل حالة معزولة أو قطيعة مع تجارب مركزية سابقة، من قبيل المرابطين والموحدين، بل شكلت استمرارًا لها، وتأسيسًا لأنماط لاحقة من الحكم، حيث تداخل ضبط المجال، وتنظيم المشروعية، وممارسة الحكم داخل منطق واحد متماسك، ظلّ في الآن نفسه خاضعًا لشروط الواقع وحدوده. ولعل من أبرز مقومات هذه الاستمرارية في بناء الدولة المركزية، ضبط المجال والتحكم فيه، وجعل هذا الضبط أساسًا لممارسة الحكم وضمان الاستقرار. فقد حكم المرينيون فضاءً صار يُعرف بـ“المغرب الأقصى“ منذ القرن 6هـ/ 12م على الأقل، وهو مجال تشكّل بوصفه وحدةً سياسيةً نتيجة تدخل الحكم، لا بوصفه إطارًا طبيعيًا ثابتًا، إذ أعادت الدولة تنظيمه عبر توحيد بنيته المجالية، والتحكم في محاور التجارة والحركة داخله، وإخضاع تمايزاته لحكم مركزي واحد. وإلى جانب هذا البعد المجالي، ورث المرينيون عن المرابطين والموحدين صيغًا متعددة من المشروعية السياسية التي أسندت ممارسة الحكم وبرّرت له، وقامت على الجمع بين القوة، وفرض الأمن، مع توظيف مرجعيات دينية ورمزية متداولة .وقد أُعيد تفعيل هذه الصيغ وفق مستجدات المرحلة التي برز فيها المرينيون كحركة قبلية كان هدفها النزوح نحو الخصب من البلاد، قبل أن تجد نفسها حاكمةً للمجال والعباد دون سند ديني أو إصلاحي مؤسِّس يبرّر الحكم. وهو ما دفعها إلى الانتقاء مما ورثته عن التجارب السابقة ما يخدم بناء مشروعيتها السياسية، ولا سيما في سياق مجالي غير متجانس، تميّز بتفاوت واضح بين المركز والأطراف، حيث لم يكن حضور الحكم واحدًا في جميع الجهات، بل اتخذ أشكالًا متدرجة، تراوحت بين حضور مباشر عبر ممثلي الدولة وأجهزتها وأداء الجباية، وحضور رمزي أدنى يتجسّد في الدعوة للسلطان في المنابر، الأمر الذي جعل المركزية المرينية ممارسة عملية لتدبير هذا التفاوت أكثر منها سيطرة ترابية شاملة.
حميد تيتاو
تتمة المقال تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































