تُعد المديرية العامة للأمن الوطني المؤسسة التي تتولى مهام الشرطة بالمغرب اليوم، حيث تضطلع بأدوار متعددة .وقد تأسست هذه المديرية بعد أشهر قليلة من حصول المغرب على الاستقلال، لتشكل إحدى ركائز بناء الدولة الحديثة. يوم 16 ماي ،2026 يخلّد الأمن الوطني مرور 70سنة على تأسيسه، في محطة رمزية تستحضر مساراً طويلاً من التحولات والتحديث. ومع ذلك، فإن نشأة الشرطة المغربية لا تنفصل عن جذورها التاريخية، إذ تمتد إلى فترة الحماية من خلال ”الشرطة الشريفة” التي أُحدثت سنة 1913.
“اما تزال يدي ملتصقة بالمقبض حين شعرت ببرودة فوهة معدنية تلامس قفاي .بدا رجلان يحملان شارات الشرطة الشريفة سعيدين للغاية بلقائي“، هكذا يروي ميشيل ليديي، كاتب القصص القصيرة في كتابه “الحافلة الأخيرة“، الصادر سنة .2000 لقد ولد في الدار البيضاء وعاش فيها عشرين عاما قبل الهجرة إلى فرنسا. وهو يظهر، إذا لزم الأمر، إلى أي مدى طُبع خياله طفلا ثم مراهقا برتب “الشرطيين الشريفيين“ .إنه عالم من الأوسمة فتن كاتب المقالات بيير روسو؛ وهي عاطفة شاركنا إياها في مؤلفه المتميز “الأوسمة والنياشين في الإمبراطورية الشريفة زمن الحماية الفرنسية بالمغرب 1956-1912″.
في المغرب، يجب الاعتراف بأن الشرطة هي اختراع من عهد الحماية الفرنسية. قبل عام ،1913 لم يكن هناك جهاز شرطة في الإمبراطورية الشريفة. لكن هذا لا يعني عدم وجود مصلحة حكومية مخصصة لأمن رعايا السلطان .في الواقع، كان “المخازنية“، وهم عناصر مساعدة من قبائل “الكَيش“، هم من يتولون دور السهر على السلم الاجتماعي، وعلى رأسهم “المحتسب“، الذي يعادل في أيامنا هذه عميد الشرطة. كان المحتسب مسؤولا أمام باشا المدينة. “يقوم المحتسب بوظائف مماثلة تجمع وظائف العمداء ومفوضي الشرطة في فرنسا، كما أنه مكلف بمراقبة المجازر والمخابز والموازين والمكاييل، وله كامل السلطة لمعاقبة الجنح بالمخالفات حسب أعراف البلاد، وبشكل رئيس عن طريق الضرب بالعصا، حيث كان المطرق إحدى ركائز النظام الاجتماعي في المغرب. كما يعود للمحتسب أيضا ضبط الأسواق، وفق ما أورده المستكشف ليون غودار (1825-1863) في مؤلفه “وصف وتاريخ المغرب” (1860). هذا التنظيم الشرطي للمغرب ما قبل الحماية يشبه، في بعض الجوانب، نظام “الحسبة“؛ أي شرطة الأسواق والأخلاق في المجتمع المسلم التقليدي، التي مارست مهامها أساسا تحت حكم العباسيين في بغداد، ووجدت حضورا لها أيضا في تاريخ المغرب خلال العصرين الوسيط والحديث.
فريد البحري
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































