نظرا لموقعها الاستراتيجي وتاريخها الضارب في القدم، تُعتبر مدينة سبتة حلقة وصل محورية بين عوالم وحضارات متعددة .في هذا الحوار، مع الباحثة المتخصصة زوليخة بنرمضان، نستكشف مسار المدينة بدءا من العصور القديمة، مرورا بتألقها الحضاري والسياسي، وصولا إلى الاحتلال الأجنبي والمقاومة المغربية المستمرة لاسترجاعها .مع الوقوف عند تجربة الباحثة المبكرة خلال سبرها أغوار الموضوع منتصف الثمانينيات وأهميته بين الأوساط الأكاديمية بفرنسا.
في البداية هل يمكن أن تقدمي لنا لمحة عن البدايات الأولى لمدينة سبتة؟
يصعب تحديد البدايات الأولى لمدينة سبتة، والمتفق عليه أنها مدينة ضاربة في القدم، قد تكون عرفت استقرارا بشريّا إبان العصر الباليوتيكي. ويعتبر الإغريق أول من وطأ المنطقة، والدليل على ذلك قصة أوديسا وأسطورة هرقل في التراث الإغريقي. وبخلاف الفينيقيّين الذين لم يتركوا أثرا ماديا بسواحلها، وجدت بقايا نقديّة قرطاجيّة مما ساعد على افتراض أصل قرطاجني للمدينة، تزكيه الإشارة المصدريّة لسبتة في الحرب البونيّة الثانيّة ودورها في استقبال السفن القرطاجيّة المنهزمة أمام الرومان.
وفي العصر الروماني، عرفت سبتة باسم Septem Fratres أي “الإخوة السبع“ في إشارة إلى القمم الجبليّة السبع المحيطة بها، وشهدت تحصينات، كما توسعت علاقاتها الخارجيّة مع أباطرة روما الذين منحوها لقب “عاصمة موريطانيا“. تعرضت سبتة للغزو الوندالي، ثم استولى عليها البيزنطيون، وأصبحت في عصرهم عاصمة لإقليم كبير أطلق عليه اسم “موريطانيا الثانية“، شمل جزر البليار والممتلكات البيزنطية في إسبانيا. لقد عرفت سبتة خلال هذه المرحلة نموّا معماريّا، وأنزل بها أسطول بحري. وإبان الفتوحات الإسلاميّة، تُقدم سبتة في المصادر كمقاطعة قوطيّة يحكمها الكونت يوليان، الشخصيّة التي يسرت مهمّة جيش المسلمين في دخول سبتة واقتحام إسبانيا القوطيّة. انطلاقا من سنة 708/89 أصبحت سبتة ولاية أموية، ثم تعاقب على حكمها الأدارسة، واستمر الحال مع الدول المركزية من مرابطين وموحدين ومرينيين. وفي سنة 1415، استولى عليها البرتغاليون ثمّ انتقلت إلى التاج الإسباني.
هل الموقع الجغرافي لسبتة هو الذي منحها مميزات حضارية؟
بالفعل، لابد من الإشارة ونحن نتحدث عن أصول سبتة إلى أن موقعها الاستراتيجي المتميّز يعتبر عنصرا محوريّا في تفسير الأدوار التي قامت بها المدينة طوال تاريخها؛ فهي تقع في أقصى الشمال الغربي للمغرب، أخذت مكانها فوق منطقة تضاريسيّة مرتفعة تمتد داخل البحر من الغرب في اتجاه الشرق، ممّا مكّنها من التحكم في حركة المرور عبر مدخل مضيق جبل طارق، وجعل منها إحدى الواجهات الأساسيّة المغربيّة المطلة على أوروبا. أما بنيتها البشريّة، فقد تشكلت من قبائل غمارة التي كانت تنتشر على جزء كبير من شمال غرب المغرب، والتي ظلت تشكل الخزان البشري للمدينة، ودرعها الواقي في حالتي الحرب والسلم.
أما بخصوص المظاهر الحياتيّة والحضاريّة في سبتة، فمن الصعب حصره في بضعة سطور، لأن سبتة خلفت منتوجا حضاريّا غزيرا. لقد استطاعت مدينة سبتة أن تؤسس بنية اقتصادية متشعبة تقوم على التجارة البحريّة والصيد والمرجان والأنشطة الحرفيّة والخدمات المرتبطة بالمرسى والصنائع. ومن الطبيعي جدا أن تؤدي هذه الأنشطة إلى نموّ سكاني، واتساع العمران، ورواج الأسواق، وإفراز نخب تجاريّة وفكريّة أسهمت في تدبير أمور المدينة. ولم ينفصل ازدهار سبتة عن محيطها الطبيعي، إذ مثلت بليونش التي حظيت بالإعجاب في المصادر الأدبيّة امتدادها الزراعي والمجالي.
حاورها غسان الكشوري
الحوار الكامل من العدد 156 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































