لم تكن سبتة في العصر الوسيط مجرد ثغر تجاري وعسكري، بل كانت حاضرة للعلم والفقه والحديث، احتضنت المساجد والمدارس والخزائن، واستقبلت العلماء والكتب والأسانيد من المشرق والأندلس، وأسهم بعض أبنائها في تشكيل الحياة الدينية والثقافية للمغرب.
ارتبط تاريخ العلم في المغرب بحواضر استقر فيها الدرس، وتوارثت فيها أجيال العلماء تقاليد الفقه والرواية والتأليف. وكانت سبتة واحدة من الحواضر التي أدت هذا الدور طوال قرون من العصر الوسيط، فاقترن اسمها بالعلم والفقه، واتصلت حياتها الثقافية والدينية بكبريات مراكز العلم في المغرب والأندلس والمشرق. وظلت سبتة على هذه الصلة بالحياة العلمية والدينية في المغرب إلى أن احتلها البرتغاليون سنة 818هـ/ 1415م. فكيف بدأ النشاط العلمي والديني في سبتة؟ وما الذي ضمن له الاستمرار؟ وكيف كانت المعرفة تُدرّس وتُنقل وتحفظ في سبتة؟ ومن صنع مكانتها في الفقه والحديث؟ وكيف تحولت الرحلة منها وإليها إلى طريق لتداول الكتب والأسانيد؟ وما موقع التصوف والرباط في الحياة الدينية للمدينة؟ وكيف تجاوز بعض ما نشأ فيها حدود سبتة إلى بقية المغرب؟
ظل المسجد أساس الحياة العلمية في سبتة زمنًا طويلًا، واستمرت فيه مجالس الدرس بعد ظهور المدارس .واقترن التدريس بحفظ الكتب، فكانت للمساجد خزائن يرجع إليها أهل العلم والطلبة. ويحصي محمد بن القاسم الأنصاري السبتي، في كتابه “اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار“، ألف مسجد واثنتين وستين خزانة علمية في أواخر العصر الإسلامي للمدينة. وكان الجامع الكبير يضم خزانتين للكتب، ووجدت خزائن في مساجد أخرى، منها مسجد مقبرة زقلو، ثاني مساجد المدينة من حيث الحجم.
ومن المسجد انتقل هذا الاقتران بين الدرس والكتاب إلى المدارس التي أخذت تظهر في المدينة. ومن أقدمها مدرسة علي الشاري، أحد محدثي سبتة، التي أنشأها من ماله، وجمع في خزانتها نسخًا قديمة ومؤلفات نادرة، ثم وقفها على أهل العلم، حتى عد الأنصاري خزانتها أول خزانة أوقفت بالمغرب لهذه الغاية.
محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 156 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































