إذا تأملنا في بعض السلوكيات والأفكار والمعتقدات التي يتداولها المغاربة اليوم ويتشبثون بها، قد نجد أن جذورها تعود إلى عشرات القرون الغابرة .لكن مع انتشار التعليم ومع التقدم التكنولوجي، هل ما تزال أساطير أجدادنا حاضرة اليوم؟
شهد العالم في سنة ،2020 هزة عنيفة بفعل جائحة كوفيد التي أربكت الحسابات العلمية والطبية، وفرضت واقعا جديدا على البشرية جمعاء. وفي خضم هذه الأزمة الطبيعية، طفت على السطح تفاعلات مجتمعية حول الحدث؛ حيث عبرت فئات عريضة من المجتمع المغربي (والعالم كذلك)، عن معتقدات وتصورات تفسيرية تنحو منحى غيبيا وميتافيزيقيا صرفا. لقد تم ربط هذا الوباء بخلفيات تنتمي في جوهرها إلى عصور غابرة، إذ برزت تفسيرات تعتبر المرض عقابا إلهيا على ذنوب الناس، بينما ذهبت تفسيرات أخرى إلى ربطه بحتمية اقتراب نهاية العالم، ومنهم أيضا من رفض حتى مبدأ العزل الصحي. وإذا رجعنا حوالي عقدين من الزمن قبل ذلك، وبالتحديد سنة ،2007 نقرأ نتائج بحث سوسيولوجي دقيق حول موضوع “الإسلام في الحياة اليومية“، نجد أن نسبة كبيرة من المغاربة كانوا يؤمنون بظواهر مثل العين والجن والسحر (حوالي أزيد من 80% من المستجوبين)، وهو ما أظهر أن الإيمان بالتفسير الغيبي ليس طارئا أو مستحدثا في البنية الذهنية، بل هو امتداد طبيعي لنسق ثقافي متجذر .وإذا قلّبنا صفحات التاريخ الثقافي والاجتماعي للمغرب، فإننا لن نصادف سوى مظاهر تتطابق وتتقاطع مع هذه المعتقدات الحاضرة، أي ذلك الربط بين ما يحصل في الطبيعة والعالم الميتافيزيقي والمخلوقات الغيبية والقوى الخفية “التي تسير أمور حياتهم“ .وهو أمر نؤكد أنه لا يقتصر على المغرب ومجاله الجيوثقافي، بل عرفته معظم شعوب العالم وما تزال كذلك.
لقد سبق للعديد من الإثنولوجيين والسوسيولوجيين في القرن الماضي، أن اهتموا بحالة المغرب في هذا الباب، من بينهم عالم الاجتماع بول باسكون الذي خصص إحدى دراساته لمعتقدات المغاربة بشكل خاص، فتتبع فيها تشابك المعتقدات الأسطورية بالواقع اليومي. يؤكد باسكون في دراساته أنه على الرغم من أن الدين المنزل، بوصفه المرجعية المشروعة والشرعية المهيمنة، فإن هناك تعلقا وارتباطا وثيقا بالمعتقدات السحرية والأساطير المتوارثة. وفي معرض تفكيكه للقوى الخفية، التي يسميها “سلطة السحر“، فإنه يعتبرها خاصية تصيب الشخص لمصلحة، أو شقاء، رغما عنه ودون علم منه في الغالب. ويورد أمثلة حية تسلط الضوء على هذه الظاهرة.
أمين جزولي
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































