في ربيع ،1958 جمع مؤتمر طنجة الذي التقى فيه المغرب وتونس وجبهة التحرير الجزائرية بين خطاب وحدوي مرتفع وحسابات سيادية حذرة. لحظة سياسية كشفت أن دعم الثورة الجزائرية كان ممكنًا في النص، لكنه ظل محدودًا حين اصطدم بضرورات بناء الدولة وتوازنات الاستقلال.
لم يكن الاجتماع الذي التأم في طنجة في أبريل 1958 لقاءً حزبياً عابراً، بل محاولة لإعادة ترتيب موقع المغرب الكبير في لحظة انتقال حادة. استقلال حديث لم يترسخ في صورة سيادة مستقرة، وعلاقة قائمة مع فرنسا لم تُحسم تبعاتها، إلى جانب حرب تحرير في الجزائر تتقدم بمنطق لا يعترف بأنصاف الاصطفاف. في هذا التوتر، انعقد المؤتمر، لا احتفالاً بالوحدة، بل رهانا سياسيا بكلفة محسوبة. انحصرت صورة طنجة في الذاكرة السياسية اللاحقة في عنوان واحد: لحظة وحدوية سبقت تعثر المشروع المغاربي .يُستعاد البيان الختامي بوصفه إعلان إرادة مشتركة، وتُعزى التباينات التي أعقبته إلى ضغوط خارجية أو حسابات ظرفية. غير أن إعادة وضع المؤتمر في سياقه، والعودة إلى طبيعة النقاشات التي دارت في جلساته، ثم إلى المواقف التي تلته مباشرة، تكشف أن الصورة أكثر تعقيدا من هذا العرض المختزل. فهل كان المؤتمر تعبيراً عن إرادة سياسية متطابقة فعلا، أم تقاطعا مؤقتا بين استراتيجيات مختلفة؟ وهل دخلت الأطراف القاعة بالتصور نفسه لمعنى الوحدة وآليات تحقيقها؟ وهل كانت أولوية الحرب في الجزائر منسجمة مع حسابات دول حديثة الاستقلال؟ وهل صيغ البيان تتويجا لتوافق راسخ، أم تسوية لغوية تخفي اختلافاً في ترتيب الأولويات؟ ثم، هل كان ما ظهر بعد أسابيع انقساماً طارئا، أم امتدادا لتباين وُلد منذ لحظة الانعقاد؟
لم يكن المغرب الكبير سنة 1958 يعيش حالة استقرار سياسي مكتمل، فالمغرب وتونس كان عهدهما حديثا بالاستقلال، غير أن الانتقال من إنهاء الحماية إلى تثبيت سيادة فعلية ظل مساراً مفتوحا، تحكمه قيود الاتفاقيات واستمرار النفوذ الفرنسي بأشكال متعددة. الاستقلال القانوني سبق اكتمال أدوات القرارالفعلي في مجالات الدفاع والاقتصاد والعلاقات الخارجية، وبناء الدولة لم يكن إجراء إداريا، بل إعادة توزيع للسلطة وضبطاً لموازين داخلية لم تستقر، في ظل حضور فرنسي لم يختف من المعادلة، بل أعاد تموضعه داخلها.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 150 من مجلتكم «زمان»















































