بين مغاربة الأمس ومغاربة اليوم، مسافة زمنية طويلة وأسئلة لا تنتهي .هل غيّر التقدم ملامح المجتمع والدولة حقاً، أم أن جذور الماضي ما تزال حاضرة في تفاصيل حياتنا؟ رحلة في تاريخ التحولات والاستمراريات التي صنعت المغرب الحديث.
هل نشبه أجدادنا حقاً؟ قد يبدو الجواب البديهي بالنفي، بالنظر إلى ما نعيشه اليوم من تقدم وانفتاح وثورة تكنولوجية، جعلت يومياتنا محكومة بالكهرباء والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، في قطيعة ظاهرية مع أنماط عيشهم السابقة. غير أن المتأمل بعمق في مسار التاريخ، يدرك أن كثيراً من البنيات الأساسية التي تنظم حياتنا وقواسمنا المشتركة ما تزال متجذرة في تراث الأسلاف، بل إنها امتداد لسيرورة تاريخية متصلة، ننهل من إرث الماضي، وننتقي منه ما يلائمنا لنواصل المسير بأدوات عصرنا الحديثة. ورغم أن إشكالية القطيعة مع الماضي أثارت جدلاً واسعاً – وما تزال – بين كبار المفكرين والفلاسفة، من ديكارت وباشلار وفوكو، وصولاً إلى رواد الفكر المغربي والعربي، أمثال عبد لله العروي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وعبد الإله بلقزيز، فإن الحسم في هذا النقاش الممتد لم يتحقق بعد. ومن هذا المنطلق، نضع بين أيدي قراء المجلة هذا الملف الشامل الذي يغوص في ثنائية التشابه والاختلاف بين موروث الأجداد وواقعنا المعاصر.
نستكشف، من خلال هذا الملف، امتداد المظاهر السياسية عبر تتبع أنساق الحكم، ومقارنة ممارسات السلطة بين العصر الوسيط ومرحلة ما بعد الاستقلال. كما نرصد التحولات العميقة على المستويين الاجتماعي والديني، مسلطين الضوء على طبيعة الاعتقادات والذهنيات لدى مغاربة الأمس واليوم، مع مقارنة تفاعل المجتمع مع الأساطير وبركة الأولياء، وصولاً إلى دراسة الفروق الدقيقة بين أنماط التدين في الماضي والحاضر.
ويتوقف الملف أيضاً عند المحطات المفصلية التي وُصفت ببدايات العصر الحديث، طارحاً تساؤلات جوهرية حول مدى نجاحها الفعلي في نقل المغرب إلى عصر التقدم، وكيفية تقبل المجتمع للإصلاحات الجذرية التي طالما رفضها الأسلاف. ونستقرئ، في هذا السياق، مرحلة ما بعد القرن الخامس عشر، بدءاً من نهاية عهد المرينيين وبروز أحمد المنصور الذهبي، وصولاً إلى الدور المحوري للسلطان سيدي محمد بن عبدا لله.
ولا نغفل أثر احتكاك المغاربة بالأجنبي، ولا سيما الأوروبي، ولا مرحلة الاستعمار التي أدخلت المغرب في منعطف تاريخي جديد، حيث اصطدمت التقاليد والموروثات القديمة بحتمية التحديث في مجالات الطب والصناعة والثقافة والتشريع والعمران، وحتى اللباس. ومثلما طُرح سؤال تحديث المغرب خلال فترة الحماية، ظل السؤال نفسه مطروحاً بعد الاستقلال: هل دخلنا فعلاً عصر الحداثة وانفصلنا عن تقاليد أجدادنا؟ وهل دولة الاستقلال دولة حديثة تقوم على التمثيل والمؤسسات، أم أنها امتداد تاريخي لسلطة مركزية جرى تحديث أدواتها دون المساس بجوهرها؟
وفي الشأن الديني، هل ظل “الإسلام المغربي“ هو نفسه؟ وماذا عن القيم والمبادئ الراسخة التي حافظ عليها المغاربة، مثل التضامن والتآزر والكرم وحسن الضيافة؟ إنها أسئلة عديدة يحاول هذا الملف تقديم إجابات عنها.
هذا الملف، وهو يعالج جدلية الاتصال والانفصال مع الأجداد، يلامس في جوهره قضايا كبرى تتشابك فيها مفاهيم الإصلاح والنهضة والتقدم والهوية، كما تتقاطع فيه ثنائيات الثابت والمتحول، والتقليد والحداثة، وأسئلة الحداثة الأوروبية وتجلياتها في السياق المغربي.
هيئة التحرير
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية













































