كان الجيش الموري أداة للسلطة وركيزة لبناء السيادة في المغرب القديم، إذ لم يقتصر دوره على القتال، بل أسهم في ضبط المجال وتثبيت الحكم والمشاركة في التوازنات العسكرية للمنطقة، بما يعكس مستوى من التنظيم والتكيف مع شروط العصر.
إن الحديث عن مملكة وعن “دولة“، لا يمكن أن يتم بمعزل عن جيشها، لأن الجيش لا يمثل أداة دفاعية فقط، بل يشكل أحد أهم مقومات المملكة و“الدولة“ نفسها من حيث قدرتها على بسط السلطة وتحقيق السيادة وضبط المجال وتأمين الموارد. فوجود كيان سياسي منظم يفترض بالضرورة توفر بنية عسكرية دائمة أو ظرفية، نظامية أو قبلية. غير أنه في الغالب الأعم على مستوى الحديث عن ممالك المغرب القديم، وخاصة المملكة المورية، يتم إغفال الحديث عن طبيعة هذا الجيش وبنيته التنظيمية ومكوناته وأسسه التي يقوم عليها. هذا الواقع لا يعكس فقط نقصا في المعلومات، وإنما يكشف أيضا عن خلل منهجي في مقاربة الموضوع، حيث ظلت الجيوش المحلية بشمال إفريقيا القديم تستحضر عرضا في سياق سرديات تاريخية سياسية دون أن تدرس كبنية قائمة بذاتها.
يزداد الإشكال تعقيدا بسبب طبيعة المصادر القديمة المتاحة، وهي مصادر إغريقية أو رومانية اختزلت، في الغالب، الجيوش المحلية في صورة «قوى غير نظامية»، أو« قبائل جامحة محاربة» افتقرت إلى التنظيم والانضباط ومالت إلى التمرد والفوضى، وهو خطاب يحمل حمولة “إيديولوجية“ واضحة تنطلق من مركزية الحضارة الإغريقية الرومانية، وتصنف كل خارج عنها في إطار البربرة والتوحش. هل عكست هذه المصادر حقا واقع الجيش الموري القديم؟ وهل يمكن الوثوق في توصيفاتها لهذا الجيش دون إخضاعها لنقد تاريخي صارم؟ وما دور المصادر الأثرية في إعادة بناء صورة للموضوع أكثر توازنا ووضوحا؟
رغم ما يعتري المصادر الأدبية من نقائص ونزوع واضح نحو إعادة تشكيل الوقائع وفق تمثلات المركز الإغريقي – الروماني، فهي لم تخل، مع ذلك، من إشارات دالة يمكن استثمارها في إعادة تركيب ملامح الجيش الموري خلال العصر القديم، فالنصوص الواردة في مؤلفات سترابون وسالوست وتيت – ليف وغيرهم، على تباين سياقاتها ومراميها، تقدم معطيات مهمة متناثرة عن طبيعة التشكيلات القتالية وأنماط الأسلحة وأدوار الفرسان والعلاقات البينية، ومن ثم فإن القراءة النقدية لهذه النصوص، بعيدا عن ظاهرها الوصفي المباشر، تتيح إمكانية استخراج بنية ضمنية للمعطى العسكري الموري، قوامها التدقيق فيما سكتت عنه أكثر من التركيز على ما صرحت به.
الحسن بودرقا
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































