لم تكن القبلة في تاريخ الغرب الإسلامي مجرد مسألة فقهية بل تحولت إلى ساحة صراع عقدي وسياسي انعكس على توجيه المحاريب وتدين الناس وكشف تداخلا عميقا بين المذهب والسلطة والشرعية الدينية.
حظي تحديد القبلة بعناية خاصة على امتداد تاريخ المسلمين وبرز مختصون في الهيئة والتعديل يرجع إليهم في تحقيق سمتها واتجاهها كما اجتهد الفقهاء في طلبها والتماس الدلائل الموصلة إليها بل منهم من وظف أمرها في نقاشاته لأهداف سياسية ومذهبية واجتهد في استثمارها عقديا في إطار تنزيل الأصول والمرجعيات .ولذلك غالبا ما يصعب الفصل فيها بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني ومذهبي. من هذا المنطلق جاء التساؤل عن أسباب هذا الصراع والتداعيات المترتبة عليه. ولقد أثار موضوع القبلة في الفترة الوسيطية جدلا كبيرا بين السلطتين الدينية والسياسية. وتحفل كتب الطبقات والتراجم الوسيطية بمظاهر الخلفية الدينية والمذهبية لظاهرة الانحراف والتصويب الذي شهدته المحاريب في الغرب الإسلامي انطلاقا مما يسمى بالتشريق في علاقته بالقبلة.
وبالرغم مما يحيل عليه مدخل “التشريق“ من بعد مذهبي عند الشيعة الإسماعيلية فإن أي محاولة لفهم مدلوله الشرعي لن تتم بشكل أعمق من دون ربطه بالظروف السياسية والمذهبية في إفريقية خلال فتح المسلمين لبلاد المغرب والأندلس. من هذا المنطلق يحق التساؤل حول ما إذا كان أهل المغرب أولوا الاهتمام لهذه الظاهرة باعتبارها إحدى دعائم المعتقد الإسماعيلي وإلى أي مدى استمر ذلك في تدينهم وانشغالاتهم الفكرية والسياسية وإذا أطلق لفظ التشريق فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى الجهة والمكان وبمرور الزمن توسعت هويته خاصة مع القاضي عياض الذي كان يعبر بلفظ المشارقة ويقصد بهم أتباع العبيديين المعتنقين لعقيدتهم وهذا التقابل نجده كذلك عند الذهبي وابن الأثير وفي كلامهم ما يفيد الانتماء إلى المذهب الشيعي والأخذ بأهم عقائده وهو افتراض نعتقد أنه قادر على تفسير ما كانت تشهده المحاريب من انحراف وهذا ما حذا بنا للتوقف عند ظاهرة التشريق في حدود ما توفره المادة التاريخية وما تنقله من تفاصيل عن ممارسيه المؤمنين.
محمد الصالحي
تتمة المقال تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































