تُعتبر دور الدباغة من المجمعات الحرفية الأولى التي ظهرت في فاس منذ فترة مبكرة، ومن أشهرها دار الدبغ ”شوارة “التي احتلت مكانة خاصة في ذاكرة المدينة؛ وذلك تَبَعاً لنظامها المضبوط، وتنوع الخبرات البشرية التي تضمها، ولمنتجاتها الجلدية التي طارت شهرتها في الآفاق، ولانخراط دباغيها في الحياة الاجتماعية والسياسية بالمدينة.
ظهر نشاط الدباغة في مدينة فاس منذ تاريخ مبكر، فالبعض يُرجع ذلك إلى زمن تأسيس المدينة، كما رسخ في ذاكرة الناس، كرواية شفهية متداولة، أن المولى إدريس نفسه يعود إليه وضع اللبنة الأولى لدار الدبغ، ويستشهد في هذا الشأن بوجود الحوض الذي يزعمون أنه كان يورد فيه بغلته آنذاك بإحدى دور الدبغ بـ“گرنيز“! يرجح أن دور الدباغة بالمدينة كانت منتشرة على طول مجرى وادي الجواهر، أو بالقرب من العيون التي كانت منابعها داخل الأسوار، وغير مستبعد أن يتم العثور على آثار مواقع هذه الدور التي اندثرت؛ على غرار ما حدث في مطلع القرن الماضي عندما كان بعض العمال يحفرون أساسات لتجديد إحدى البنايات بحي الدوح، فعثروا على أطلال لأحواض يحيل شكلها وتصميمها على أنه كانت توجد هناك دار قديمة للدباغة، ويُحتمل أنها تعود للفترة المرابطية أو سابقة عنها. مع مرور الزمن، تكاثرت دور الدبغ في فاس، وذلك لما كانت تتوفر عليه المدينة من مياه منسابة من الينابيع وروافد الوادي الذي يخترقها. كانت هذه المادة الحيوية ضرورية لغسل وشطف الجلود بالأحواض التي تُنقع فيها أثناء مراحل التحضير، إضافة إلى أن فاس تحيط بها الكثير من المراعي لتربية المواشي سواء في المنبسطات القريبة أو المرتفعات البعيدة بما وفر المادة الرئيسة للدبغ.
عبد المالك ناصري
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































